فهرس الكتاب

الصفحة 3372 من 4314

ثم على تقدير كون الظرف قيدا للعروج هل العروج مطلق عروج الحوادث إلى الله أو العروج يوم القيامة وهو مقدار يوم القيامة ، وأما كونه خمسين ألف سنة فهو بالنسبة إلى الكافر من حيث الشقة أو أن الألف سنة مقدار مشهد من مشاهد يوم القيامة وهو خمسون موقفا كل موقف مقداره ألف سنة.

ثم المراد بقوله:"مقداره ألف سنة"هل هو التحديد حقيقة أو المراد مجرد التكثير كما في قوله:"يود أحدهم لو يعمر ألف سنة": البقرة: 96 ، أي يعمر عمرا طويلا جدا وإن كان هذا الاحتمال بعيدا من السياق.

والآية - كما ترى - تحتمل الاحتمالات جميعا ولكل منها وجه والأقرب من بينها إلى الذهن كون"في يوم"قيدا لقوله:"ثم يعرج إليه"وكون المراد بيوم عروج الأمر مشهدا من خمسين مشهدا من مشاهد يوم القيامة ، والله أعلم.

قوله تعالى:"ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم"تقدم تفسير مفردات الآية ، ومناسبة الأسماء الثلاثة الكريمة للمقام ظاهرة.

قوله تعالى:"الذي أحسن كل شيء خلقه"قال الراغب: الحسن عبارة عن كل مبهج - بصيغة الفاعل - مرغوب فيه وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل ومستحسن من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحس.

انتهى.

وهذا تعريف له من جهة خاصته وانقسامه بانقسام الإدراكات الإنسانية.

وحقيقته ملاءمة أجزاء الشيء بعضها لبعض والمجموع للغرض والغاية الخارجة منه فحسن الوجه تلاؤم أجزائه من العين والحاجب والأنف والفم وغيرها ، وحسن العدل ملاءمته للغرض من الاجتماع المدني وهو نيل كل ذي حق حقه ، وهكذا.

والتدبر في خلقة الأشياء وكل منها في نفسه متلائم الأجزاء بعضها لبعض والمجموع من وجوده مجهز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزا لا أتم ولا أكمل منه يعطي أن كلا منها حسن في نفسه حسنا لا أتم وأكمل منه بالنظر إلى نفسه.

وأما ما نرى من المساءة والقبح في الأشياء فلأحد أمرين: إما لكون الشيء السيىء ذا عنوان عدمي يعود إليه المساءة لا لوجوده في نفسه كالظلم والزنا فإن الظلم ليس بسيىء قبيح بما أنه فعل من الأفعال بل بما أنه مبطل لحق ثابت والزنا ليس بسيىء قبيح من جهة نفس العمل الخارجي الذي هو مشترك بينه وبين النكاح بل بما أن فيه مخالفة للنهي الشرعي أو للمصلحة الاجتماعية.

أو بقياسه إلى شيء آخر فيعرضه المساءة والقبح من طريق المقايسة كقياس الحنظل إلى البطيخ وقياس الشوك إلى الورد وقياس العقرب إلى الإنسان فإن المساءة إنما تطرأ هذه الأشياء من طريق القياس إلى مقابلاتها ثم قياسها إلى طبعنا ، ويرجع هذا الوجه من المساءة إلى الوجه الأول بالحقيقة.

وكيف كان فالشيء بما أنه موجود مخلوق لا يتصف بالمساءة ويدل عليه الآية"الذي أحسن كل شيء خلقه"إذا انضم إلى قوله:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 فينتجان أولا: أن الخلقة تلازم الحسن فكل مخلوق حسن من حيث هو مخلوق.

وثانيا: أن كل سيىء وقبيح ليس بمخلوق من حيث هو سيىء قبيح كالمعاصي والسيئات من حيث هي معاص وسيئات والأشياء السيئة من جهة القياس.

قوله تعالى:"و بدأ خلق الإنسان من طين"المراد بالإنسان النوع فالمبدو خلقه من طين هو النوع الذي ينتهي أفراده إلى من خلق من طين من غير تناسل من أب وأم كآدم وزوجه (عليهما السلام) ، والدليل على ذلك قوله بعده:"ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين"فالنسل الولادة بانفصال المولود عن الوالدين والمقابلة بين بدء الخلق وبين النسل لا يلائم كون المراد ببدء الخلق بدء خلق الإنسان المخلوق من ماء مهين ، ولو كان المراد ذلك لكان حق الكلام أن يقال: ثم جعله سلالة من ماء مهين فافهمه.

وقوله:"ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين"السلالة كما في المجمع ، الصفوة التي تنسل أي تنزع من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه ، والمهين من الهون وهو الضعف والحقارة وثم للتراخي الزماني.

والمعنى: ثم جعل ولادته بطريق الانفصال من صفوة من ماء ضعيف أو حقير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت