فهرس الكتاب

الصفحة 4034 من 4314

قوله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم"إلخ ، أي مبلغ استطاعتكم - على ما يفيده السياق فإن السياق سياق الدعوة والندب إلى السمع والطاعة والإنفاق والمجاهدة في الله - والجملة تفريع على قوله:"إنما أموالكم"إلخ ، فالمعنى: اتقوه مبلغ استطاعتكم ولا تدعوا من الاتقاء شيئا تسعه طاقتكم وجهدكم فتجري الآية مجرى قوله:"اتقوا الله حق تقاته": آل عمران: 102 ، وليست الآية ناظرة إلى نفي التكليف بالاتقاء فيما وراء الاستطاعة وفوق الطاقة كما في قوله:"و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به": البقرة: 286.

وقد بان مما مر: أولا: أن لا منافاة بين الآيتين أعني قوله:"فاتقوا الله ما استطعتم"وقوله:"اتقوا الله حق تقاته"وأن الاختلاف بينهما كالاختلاف بالكمية والكيفية ، فقوله:"فاتقوا الله ما استطعتم"أمر باستيعاب جميع الموارد التي تسعها الاستطاعة بالتقوى ، وقوله:"اتقوا الله حق تقاته"أمر بالتلبس في كل من موارد التقوى بحق التقوى دون شبحها وصورتها.

وثانيا: فساد قول بعضهم: إن قوله:"فاتقوا الله ما استطعتم"ناسخ لقوله:"اتقوا الله حق تقاته"وهو ظاهر.

وقوله:"و اسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم"توضيح وتأكيد لقوله:"فاتقوا الله ما استطعتم"والسمع الاستجابة والقبول وهو في مقام الالتزام القلبي ، والطاعة الانقياد وهو في مقام العمل ، والإنفاق المراد به بذل المال في سبيل الله.

و"خيرا لأنفسكم"منصوب بمحذوف - على ما في الكشاف ، - والتقدير آمنوا خيرا لأنفسكم ، ويحتمل أن يكون"أنفقوا"مضمنا معنى قدموا أو ما يقرب منه بقرينة المقام ، وفي قوله:"لأنفسكم"دون أن يقال: خيرا لكم زيادة تطييب لنفوسهم أي إن الإنفاق خير لكم لا ينتفع به إلا أنفسكم لما فيه من بسط أيديكم وسعة قدرتكم على رفع حوائج مجتمعكم.

وقوله:"و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"تقدم تفسيره في تفسير سورة الحشر.

قوله تعالى:"إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم"المراد بإقراض الله الإنفاق في سبيله سماه الله إقراضا لله وسمي المال المنفق قرضا حسنا حثا وترغيبا لهم فيه.

وقوله:"يضاعفه لكم ويغفر لكم"إشارة إلى حسن جزائه في الدنيا والآخرة.

والشكور والحليم وعالم الغيب والشهادة والعزيز والحكيم خمسة من أسماء الله الحسنى تقدم شرحها ، ووجه مناسبتها لما أمر به في الآية من السمع والطاعة والإنفاق ظاهر.

في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله تعالى:"إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم"وذلك أن الرجل إذا أراد الهجرة تعلق به ابنه وامرأته وقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا فنضيع بعدك فمنهم من يطيع أهله فيقيم فحذرهم الله أبناءهم ونساءهم ونهاهم عن طاعتهم ، ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي ثم جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لا أنفعكم بشيء أبدا. فلما جمع الله بينه وبينهم أمر الله أن يتوق بحسن وصله فقال:"و إن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم": . أقول: وروي هذا المعنى في الدر المنثور ، عن عدة من أصحاب الجوامع عن ابن عباس.

وفي الدر المنثور ،: في قوله تعالى:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة": عن ابن مردويه عن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي أوفى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال: . أقول: وروي مثله أيضا عنه عن كعب بن عياض عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفيه ، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن بريدة قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المنبر فحملهما واحدا من ذا الشق وواحدا من ذا الشق ثم صعد المنبر فقال: صدق الله قال:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة"، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر إن قطعت كلامي ونزلت إليهما.

أقول: والرواية لا تخلو من شيء وأنى تنال الفتنة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيد الأنبياء المخلصين معصوم مؤيد بروح القدس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت