فطاعة المطيع بالنسبة إلى المطاع نوع عبادة له ، وإذ لا معبود إلا الله فلا طاعة إلا لله عز اسمه أو من أمر بطاعته فالمعنى: أطيعوا الله سبحانه إذ لا طاعة إلا لمعبود ولا معبود بالحق إلا الله فيجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به بطاعة غيره وعبادته كالشيطان وهوى النفس وهذا معنى كون الجملة في مقام التعليل.
وبما مر يظهر وجه تخصيص صفة الألوهية التي تفيد معنى المعبودية ، بالذكر دون صفة الربوبية فلم يقل: الله لا رب غيره.
وقوله:"و على الله فليتوكل المؤمنون"تأكيد لمعنى الجملة السابقة أعني قوله:"الله لا إله إلا هو".
توضيحه: أن التوكيل إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في إدارة أموره ولازم ذلك قيام إرادته مقام إرادة موكلة وفعله مقام فعله فينطبق بوجه على الإطاعة فإن المطيع يجعل إرادته وعمله تبعا لإرادة المطاع فتقوم إرادة المطاع مقام إرادته ويعود عمله متعلقا لإرادة المطاع صادرا منها اعتبارا فترجع الإطاعة توكيلا بوجه كما أن التوكيل إطاعة بوجه.
فإطاعة العبد لربه اتباع إرادته لإرادة ربه والإتيان بالفعل على هذا النمط وبعبارة أخرى إيثار إرادته وما يتعلق بها من العمل على إرادة نفسه وما يتعلق بها من العمل.
فطاعته تعالى فيما شرع لعباده وما يتعلق بها نوع تعلق من التوكل عليه ، وطاعته واجبة لمن عرفه وآمن به فعلى الله فليتوكل المؤمنون وإياه فليطيعوا ، وأما من لم يعرفه ولم يؤمن به فلا تتحقق منه طاعة.
وقد بان بما تقدم أن الإيمان والعمل الصالح نوع من التوكل على الله تعالى.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم"إلخ"من"في"أزواجكم"للتبعيض ، وسياق الخطاب بلفظ"يا أيها الذين آمنوا"وتعليق العداوة بهم يفيد التعليل أي إنهم يعادونهم بما أنهم مؤمنون ، والعداوة من جهة الإيمان لا تتحقق إلا باهتمامهم أن يصرفوهم عن أصل الإيمان أو عن الأعمال الصالحة كالإنفاق في سبيل الله والهجرة من دار الكفر أو أن يحملوهم على الكفر أو المعاصي الموبقة كالبخل عن الإنفاق في سبيل الله شفقة على الأولاد والأزواج والغصب واكتساب المال من غير طريق حله.
فالله سبحانه يعد بعض الأولاد والأزواج عدوا للمؤمنين في إيمانهم حيث يحملونهم على ترك الإيمان بالله أو ترك بعض الأعمال الصالحة أو اقتراف بعض الكبائر الموبقة وربما أطاعوهم في بعض ذلك شفقة عليهم وحبا لهم فأمرهم الله بالحذر منهم.
وقوله:"و إن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم"قال الراغب: العفو القصد لتناول الشيء يقال: عفاه واعتفاه أي قصده متناولا ما عنده - إلى أن قال - وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه ، وقال: الصفح ترك التثريب وهو أبلغ من العفو ، ولذلك قال تعالى:"فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره"وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وقال: الغفر البأس ما يصونه عن الدنس ، ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء واصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ ، والغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب قال:"غفرانك ربنا"و"مغفرة من ربكم""و من يغفر الذنوب إلا الله"انتهى.
ففي قوله:"فاعفوا واصفحوا واغفروا"ندب إلى كمال الإغماض عن الأولاد والأزواج.
إذا ظهر منهم شيء من آثار المعاداة المذكورة - مع الحذر من أن يفتتن بهم.
وفي قوله:"فإن الله غفور رحيم"إن كان المراد خصوص مغفرته ورحمته للمخاطبين أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا كان وعدا جميلا لهم تجاه عملهم الصالح كما في قوله تعالى:"و ليعفوا وليصفحوا أ لا تحبون أن يغفر الله لكم": النور: 22.
وإن أريد مغفرته ورحمته العامتان من غير تقييد بمورد الخطاب أفاد أن المغفرة والرحمة من صفات الله سبحانه فإن عفوا وصفحوا وغفروا فقد اتصفوا بصفات الله وتخلقوا بأخلاقه.
قوله تعالى:"إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم"الفتنة ما يبتلى ويمتحن به ، وكون الأموال والبنين فتنة إنما هو لكونهما زينة الحياة تنجذب إليهما النفس انجذابا فتفتتن وتلهو بهما عما يهمها من أمر آخرته وطاعة ربه ، قال تعالى:"المال والبنون زينة الحياة الدنيا": الكهف: 46.
والجملة كناية عن النهي عن التلهي بهما والتفريط في جنب الله باللي إليهما ويؤكده قوله:"و الله عنده أجر عظيم".