5 سورة المائدة - 105
يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسكُمْ لا يَضرّكُم مّن ضلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
الآية تأمر المؤمنين أن يلزموا أنفسهم ، ويلازموا سبيل هدايتهم ولا يوحشهم ضلال من ضل من الناس فإن الله سبحانه هو المرجع الحاكم على الجميع حسب أعمالهم ، والكلام مع ذلك لا يخلو عن غور عميق.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"لفظة"عليكم"اسم فعل بمعنى ألزموا ، و"أنفسكم"مفعوله.
ومن المعلوم أن الضلال والاهتداء - وهما معنيان متقابلان - إنما يتحققان في سلوك الطريق لا غير فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه الطريق ، وهو الغاية المطلوبة التي يقصدها الإنسان السالك في سلوكه ، أما إذا استهان بذلك وخرج عن مستوى الطريق فهو الضلال الذي تفوت به الغاية المقصودة فالآية تقدر للإنسان طريقا يسلكه ومقصدا يقصده غير أنه ربما لزم الطريق فاهتدى إليه أو فسق عنه فضل وليس هناك مقصد يقصده القاصد إلا الحياة السعيدة ، والعاقبة الحسنى بلا ريب لكنها مع ذلك تنطق بأن الله سبحانه هو المرجع الذي يرجع إليه الجميع: المهتدي والضال.
فالثواب الذي يريده الإنسان في مسيره بالفطرة إنما هو عند الله سبحانه يناله المهتدون ، ويحرم عنه الضلال ، ولازم ذلك أن يكون جميع الطرق المسلوكة لأهل الهداية والطرق المسلوكة لأهل الضلال تنتهي إلى الله سبحانه ، وعنده سبحانه الغاية المقصودة وإن كانت تلك الطرق مختلفة في إيصال الإنسان إلى البغية والفوز والفلاح أو ضربه بالخيبة والخسران ، وكذلك في القرب والبعد كما قال تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه":"الإنشقاق: 6"وقال تعالى:"ألا إن حزب الله هم المفلحون":"المجادلة: 22"وقال تعالى:"أ لم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار": إبراهيم: 28"وقال تعالى:"فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون":"البقرة: 168"وقال تعالى:"و الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد":"حم السجدة: 44"."
بين تعالى في هذه الآيات أن الجميع سائرون إليه سبحانه سيرا لا مناص لهم عنه ، غير أن طريق بعضهم قصير وفيه الرشد والفلاح ، وطريق آخرين طويل لا ينتهي إلى سعادة ، ولا يعود إلى سالكه إلا الهلاك والبوار.
وبالجملة فالآية تقدر للمؤمنين وغيرهم طريقين اثنين ينتهيان إلى الله سبحانه ، وتأمر المؤمنين بأن يشتغلوا بأنفسهم وينصرفوا عن غيرهم وهم أهل الضلال من الناس ولا يقعوا فيهم ولا يخافوا ضلالهم فإنما حسابهم على ربهم لا على المؤمنين وليسوا بمسئولين عنهم حتى يهمهم أمرهم فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى: "قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون":"الجاثية: 14" ونظيرها قوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون":"البقرة: 143".
فعلى المؤمن أن يشتغل بما يهم نفسه من سلوك سبيل الهدى ، ولا يهزهزه ما يشاهده من ضلال الناس وشيوع المعاصي بينهم ولا يشغله ذلك ولا يشتغل بهم فالحق حق وإن ترك والباطل باطل وإن أخذ به كما قال تعالى: "قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون":"المائدة: 100"وقال تعالى:"و لا تستوي الحسنة ولا السيئة":"حم السجدة: 34".
فقوله تعالى:"لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"بناء على ما مر مسوق سوق الكناية أريد به نهي المؤمنين عن التأثر من ضلال من ضل من الناس فيحملهم ذلك على ترك طريق الهداية كأن يقولوا: إن الدنيا الحاضرة لا تساعد الدين ولا تبيح التنحل بالمعنويات فإنما ذلك من السنن الساذجة وقد مضى زمنه وانقرض أهله ، قال تعالى: "و قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا":"القصص: 57".