نعم هاهنا اعتبار آخر يتداخل فيه التحميد والتسبيح وهو أن الأزمنة والأوقات على تغيرها وتصرمها من جملة ما في السماوات والأرض فهي بوجودها يثني على الله تعالى ، ثم كل ما في السماوات والأرض بفقرها إليه تعالى وذلتها دونه ونقصها بالنسبة إلى كماله تعالى تسبحه كما قال:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44 ، لكن هذا الاعتبار غير منظور إليه في الآيتين اللتين نحن فيهما.
وللمفسرين في الآيتين أقوال أخر متفرقة أشرنا إلى المهم منها في الوجوه التي قدمناها.
وتغيير السياق في قوله:"و عشيا"لكون العشي لم يبن منه فعل من باب الإفعال بخلاف المساء والصباح والظهيرة حيث بني منها الإمساء والإصباح والإظهار بمعنى الدخول في المساء والصباح والظهيرة كذا قيل.
والخطاب الذي في الآيتين في قوله:"تمسون وتصبحون وتظهرون"ليس من الالتفات في شيء بل تعميم للخطاب الذي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منذ شرعت السورة ، والمعنى: فإذا كان الأمر على هذه السبيل فالله منزه حينما دخلتم أنتم معاشر البشر في مساء وحينما دخلتم في صباح وفي العشي وحينما دخلتم في ظهيرة وله الثناء الجميل في السماوات والأرض.
ونظير هذا التعميم ما في قوله سابقا:"ثم إليه ترجعون"ولاحقا في قوله:"و كذلك تخرجون".
قوله تعالى:"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون"ظاهر إخراج الحي من الميت وبالعكس خلق ذوي الحياة من الأرض الميتة ثم تبديل ذوي الحياة أرضا ميتة ، وقد فسر بخلق المؤمن من الكافر وخلق الكافر من المؤمن فإنه يعد المؤمن حيا والكافر ميتا ، قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا": الأنعام: 122.
وأما إحياء الأرض بعد موتها فهو انتعاش الأرض وابتهاجها بالنبات في الربيع والصيف بعد خمودها في الخريف والشتاء ، وقوله:"و كذلك تخرجون"أي تبعثون وتخرجون من قبوركم بإحياء جديد كإحياء الأرض بعد موتها ، وقد تقدم تفسير نظير صدر الآية وذيلها مرارا.
في الدر المنثور ، أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء عن ابن عباس: في قوله:"الم غلبت الروم"قال: غلبت وغلبت. قال: كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم ، لأنهم أصحاب أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب ، فذكروه لأبي بكر فذكره أبو بكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أما إنهم سيغلبون فذكره أبو بكر لهم فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل لهم خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أ لا جعلته أراه قال: دون العشر ، فظهرت الروم بعد ذلك فذلك قوله: الم غلبت الروم فغلبت ثم غلبت بعد. يقول الله:"لله الأمر من قبل ومن بعد - ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"قال سفيان: سمعت أنهم قد ظهروا يوم بدر.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر مختلفة المضامين في الجملة ففي بعضها أن المقامرة كانت بين أبي بكر وأبي بن خلف وفي بعضها أنها كانت بين المسلمين والمشركين وكان أبو بكر من قبل المسلمين وأبي من قبل المشركين ، وفي بعضها أنها كانت بين الطائفتين ، وفي بعضها بين أبي بكر وبين المشركين كما في هذه الرواية.
ثم الأجل المضروب في بعضها ثلاث سنين ، وفي بعضها خمس ، وفي بعضها ست ، وفي بعضها سبع سنين.
وفي بعضها أن الأجل المضروب أولا انقضى بمكة وهو سبع سنين فمادهم أبو بكر سنتين بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فغلبت الروم ، وفي بعضها خلافه.
ثم في بعضها أن الأجل الثاني انقضى بمكة وفي بعضها أنه انقضى بعد الهجرة وكانت غلبة الروم يوم بدر ، وفي بعضها يوم الحديبية.
وفي بعضها أن أبا بكر لما قمرهم بغلبة الروم أخذ منهم الخطر وهو مائة قلوص وجاء به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: إنه سحت تصدق به.