قوله تعالى:"كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"العذاب مبتدأ مؤخر ، وكذلك خبر مقدم أي إنما يكون العذاب على ما وصفناه في قصة أصحاب الجنة وهو أن الإنسان يمتحن بالمال والبنين فيطغى مغترا بذلك فيستغني بنفسه وينسى ربه ويشرك بالأسباب الظاهرية وبنفسه ويجترىء على المعصية وهو غافل عما يحيط به من وبال عمله ويهيىء له من العذاب كذلك حتى إذا فاجأه العذاب وبرز له بأهول وجوهه وأمرها انتبه من نومة الغفلة وتذكر ما جاءه من النصح قبلا وندم على ما فرط بالطغيان والظلم وسأل الله أن يعيد عليه النعمة فيشكر كما انتهى إليه أمر أصحاب الجنة ، ففي ذلك إعطاء الضابط بالمثال.
وقوله:"و لعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون"لأنه ناش عن قهر إلهي لا يقوم له شيء لا رجاء للتخلص منه ولو بالموت والفناء كما في شدائد الدنيا ، محيط بالإنسان من جميع أقطار وجوده لا كعذاب الدنيا دائم لا انتهاء لأمده كما في الابتلاءات الدنيوية.
في المعاني ، بإسناده عن سفيان بن سعيد الثوري عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الحروف المقطعة في القرآن قال: وأما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز وجل: اجمد فجمد فصار مدادا ثم قال للقلم: اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فالمداد مداد من نور والقلم قلم من نور واللوح لوح من نور. قال سفيان: فقلت له: يا بن رسول الله بين أمر اللوح والقلم والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال: يا ابن سعيد لو لا أنك أهل للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك ، والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك ، واللوح يؤدي إلى إسرافيل وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل وميكائيل يؤدي إلى جبرائيل وجبرائيل يؤدي إلى الأنبياء والرسل. قال: ثم قال: قم يا سفيان فلا آمن عليك.
وفيه ، بإسناده عن إبراهيم الكرخي قال: سألت جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن اللوح والقلم قال: هما ملكان.
وفيه ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) :"ن والقلم وما يسطرون"القلم قلم من نور وكتاب من نور في لوح محفوظ يشهده المقربون وكفى بالله شهيدا.
أقول: وفي المعاني المتقدمة روايات أخرى عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وقد تقدم في ذيل قوله تعالى:"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق": الجاثية: 29 ، حديث القمي عن عبد الرحيم القصير عن الصادق (عليه السلام) في اللوح والقلم وفيه: ثم ختم على فم القلم فلم ينطق بعد ذلك ولا ينطق أبدا وهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :"ن والقلم وما يسطرون"قال: لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة.
أقول: وفي معناه روايات أخر ، وقوله: يجري بما هو كائن إلخ ، أي منطبق على متن الكائنات من دون أن يتخلف شيء منها عما كتب هناك ونظيره ما في رواية أبي هريرة: ثم ختم علي في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة.
وفي المعاني ، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل:"و إنك لعلى خلق عظيم"قال: هو الإسلام.
وفي تفسير القمي ، عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله:"و إنك لعلى خلق عظيم"قال: على دين عظيم.
أقول: يريد اشتمال الدين والإسلام على كمال الخلق واستنانه (صلى الله عليه وآله وسلم) به ، وفي الرواية المعروفة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
وفي المجمع ، بإسناده عن الحاكم بإسناده عن الضحاك قال: لما رأت قريش تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا وإعظامه له نالوا من علي وقالوا: قد افتتن به محمد فأنزل الله تعالى:"ن والقلم وما يسطرون"قسم أقسم الله به"ما أنت بنعمة ربك بمجنون - وإن لك لأجرا غير ممنون - وإنك لعلى خلق عظيم يعني القرآن إلى قوله بمن ضل عن سبيله"وهم النفر الذين قالوا ما قالوا"و هو أعلم بالمهتدين"يعني علي بن أبي طالب.
أقول: ورواه في تفسير البرهان ، عن محمد بن العباس بإسناده إلى الضحاك وساق نحوا مما مر وفي آخره: وسبيله علي بن أبي طالب.