فهرس الكتاب

الصفحة 4031 من 4314

64 سورة التغابن - 11 - 18

مَا أَصاب مِن مّصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللّهِ يهْدِ قَلْبَهُ وَاللّهُ بِكلِّ شىْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسولَ فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلى رَسولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ (12) اللّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلى اللّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا إِنّ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكمْ عَدُوّا لّكمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ (14) إِنّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكمْ فِتْنَةٌ وَاللّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتّقُوا اللّهَ مَا استَطعْتُمْ وَاسمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيرًا لأَنفُسِكمْ وَمَن يُوقَ شحّ نَفْسِهِ فَأُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِن تُقْرِضوا اللّهَ قَرْضًا حَسنًا يُضعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ شكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشهَدَةِ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (18)

شروع فيما هو الغرض من السورة بعد ما مر من التمهيد والتوطئة وهو الندب إلى الإنفاق في سبيل الله والصبر على ما يصيبهم من المصائب في خلال المجاهدة في الله سبحانه.

وقدم ذكر المصيبة والإشارة إلى الصبر عليها ليصفو المقام لما سيندب إليه من الإنفاق وينقطع العذر.

قوله تعالى:"ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم"المصيبة صفة شاع استعمالها في الحوادث السوء التي تصحب الضر ، والإذن الإعلام بالرخصة وعدم المانع ويلازم علم الإذن بما أذن فيه ، وليس هو العلم كما قيل.

فظهر بما تقدم أولا أن إذنه تعالى في عمل سبب من الأسباب هو التخلية بينه وبين مسببيه برفع الموانع التي تتخلل بينه وبين مسببه فلا تدعه يفعل فيه ما يقتضيه بسببيته كالنار تقتضي إحراق القطن مثلا لو لا الفصل بينهما والرطوبة فرفع الفصل بينهما والرطوبة من القطن مع العلم بذلك إذن في عمل النار في القطن بما تقتضيه ذاتها أعني الإحراق.

وقد كان استعمال الإذن في العرف العام مختصا بما إذا كان المأذون له من العقلاء لمكان أخذ معنى الإعلام في مفهومه فيقال: أذنت لفلان أن يفعل كذا ولا يقال: أذنت للنار أن تحرق ، ولا أذنت للفرس أن يعدو ، لكن القرآن الكريم يستعمله فيما يعم العقلاء وغيرهم بالتحليل كقوله:"و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله": النساء: 64 ، .

وقوله:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه": الأعراف: 58 ، ولا يبعد أن يكون هذا التعميم مبنيا على ما يفيده القرآن من سريان العلم والإدراك في الموجودات كما قدمناه في تفسير قوله:"قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": حم السجدة: 21.

وكيف كان فلا يتم عمل من عامل ولا تأثير من مؤثر إلا بإذن من الله سبحانه فما كان من الأسباب غير تام له موانع لو تحققت منعت من تأثيره فإذنه تعالى له في أن يؤثر رفعه الموانع ، وما كان منها تاما لا مانع له يمنعه فإذنه له عدم جعله له شيئا من الموانع فتأثيره يصاحب الإذن من غير انفكاك.

وثانيا: أن المصائب وهي الحوادث التي تصيب الإنسان فتؤثر فيه آثارا سيئة مكروهة إنما تقع بإذن من الله سبحانه كما أن الحسنات كذلك لاستيعاب إذنه تعالى صدور كل أثر من كل مؤثر.

وثالثا: أن هذا الإذن إذن تكويني غير الإذن التشريعي الذي هو رفع الحظر عن الفعل فإصابة المصيبة تصاحب إذنا من الله في وقوعها وإن كانت من الظلم الممنوع فإن كون الظلم ممنوعا غير مأذون فيه إنما هو من جهة التشريع دون التكوين.

ولذا كانت بعض المصائب غير جائزة الصبر عليها ولا مأذونا في تحملها ويجب على الإنسان أن يقاومها ما استطاع كالمظالم المتعلقة بالأعراض والنفوس.

ومن هنا يظهر أن المصائب التي ندب إلى الصبر عندها هي التي لم يؤمر المصاب عندها بالذب والامتناع عن تحملها كالمصائب العامة الكونية من موت ومرض مما لا شأن لاختيار الإنسان فيها ، وأما ما للاختيار فيها دخل كالمظالم المتعلقة نوع تعلق بالاختيار من المظالم المتوجهة إلى الأعراض فلإنسان أن يتوقاها ما استطاع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت