أقول: وسيأتي توضيح معنى الروايتين في أواخر سورة النساء إن شاء الله تعالى.
وفي الدر المنثور ،: في قوله تعالى إن مثل عيسى عند الله الآية ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا: أن سيدي أهل نجران وأسقفيهم السيد والعاقب لقيا نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسألاه عن عيسى فقال: كل آدمي له أب فما شأن عيسى لا أب له فأنزل الله فيه هذه الآية: إن مثل عيسى عند الله الآية.
أقول: وروي ما يقرب منه عن السدي وعكرمة وغيرهما ، وروى القمي في تفسيره ، أيضا نزول الآية في المورد.
في البصائر ، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرسول وعن النبي وعن المحدث قال: الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربه يقول: يأمرك كذا وكذا ، والرسول يكون نبيا مع الرسالة. والنبي لا يعاين الملك ينزل عليه الشيء النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه قلت: فما علمه أن الذي رأى في منامه حق؟ قال يبينه الله حتى يعلم أن ذلك حق ولا يعاين الملك. والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى شاهدا.
أقول: ورواه في الكافي ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله: شاهدا أي صائتا حاضرا.
ويمكن أن يكون حالا من فاعل لا يرى.
وفيه ، أيضا عن بريد عن الباقر والصادق (عليهما السلام) في حديث قال بريد: فما الرسول والنبي والمحدث؟ قال: الرسول الذي يظهر الملك فيكلمه ، والنبي يرى في المنام ، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد ، والمحدث الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة قال: قلت أصلحك الله كيف يعلم أن الذي رأى في المنام هو الحق وأنه من الملك؟ قال: يوفق لذلك حتى يعرفه"لقد ختم الله بكتابكم الكتب وبنبيكم الأنبياء ، الحديث."
وفيه ، عن محمد بن مسلم قال: ذكرت المحدث عند أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال: إنه يسمع الصوت ولا يرى الصورة فقلت أصلحك الله كيف يعلم أنه كلام الملك؟ قال: إنه يعطى السكينة والوقار حتى يعلم أنه ملك.
وفيه ، أيضا عن أبي بصير عنه (عليه السلام) قال: كان علي محدثا وكان سلمان محدثا ، قال: قلت: فما آية المحدث؟ قال: يأتيه الملك فينكت في قلبه كيت وكيت 220 - وفيه ، عن حمران بن أعين قال: أخبرني أبو جعفر (عليه السلام) : أن عليا كان محدثا فقال أصحابنا: ما صنعت شيئا أ لا سألته من يحدثه؟ فقضي أني لقيت أبا جعفر فقلت: أ لست أخبرتني: أن عليا كان محدثا؟ قال: بلى قلت: من كان يحدثه؟ قال: ملك ، قلت: فأقول: إنه نبي أو رسول؟ قال: لا بل قل مثله مثل صاحب سليمان وصاحب موسى ، ومثله مثل ذي القرنين ، أ ما سمعت أن عليا سئل عن ذي القرنين أ نبيا كان؟ قال لا ولكن كان عبدا أحب الله فأحبه ، وناصح الله فنصحه فهذا مثله.
أقول: والروايات في معنى المحدث عن أئمة أهل البيت كثيرة جدا رواها في البصائر والكافي والكنز والاختصاص وغيرها ، ويوجد في روايات أهل السنة أيضا.
وأما الفرق الوارد في الأخبار المذكورة بين النبي والرسول والمحدث فقد مر الكلام في الفرق بين الرسول والنبي ، وأن الوحي بمعنى تكليم الله سبحانه لعبده ، فهو يوجب العلم اليقيني بنفس ذاته من غير حاجة إلى حجة ، فمثله في الإلقاءات الإلهية مثل العلوم البديهية التي لا تحتاج في حصولها للإنسان إلى سبب تصديقي كالقياس ونحوه.
وأما المنام فالروايات كما ترى تفسره بمعنى غير المعنى المعهود منه أعني الرؤيا يراها الإنسان في النوم العادي العارض له في يومه وليلته بل هو حال يشبه الإغماء تسكن فيه حواس الإنسان النبي فيشاهد عند ذلك نظير ما نشاهده في اليقظة ثم يسدده الله سبحانه بإفاضته على نفسه اليقين بأنه من جانب الله سبحانه لا من تصرف الشيطان.
وأما التحديث فهو سماع صوت الملك غير أنه بسمع القلب دون سمع الحس ، وليس من قبيل الخطور الذهني الذي لا يسمى سمع صوت إلا بنحو من المجاز البعيد ، ولذلك ترى أن الروايات تجمع فيه بين سماع الصوت والنكت في القلب ، وتسميه مع ذلك تحديثا وتكليما فالمحدث يسمع صوت الملك في تحديثه ويعيه بسمعه نظير ما نسمعه ويسمعه من الكلام المعتاد والأصوات المسموعة في عالم المادة غير أنه لا يشاركه في ما يسمعه من كلام الملك غيره ، ولذا كان أمرا قلبيا.