و قول بعضهم إن المراد به أ ولم ير أهل مكة أنا نأتي أرضهم فننقصها من أطرافها بفتح القرى واحدة بعد واحدة للمسلمين فليخافوا أن نفتح بلدتهم وننتقم منهم يدفعه أن السورة مكية وتلك الفتوحات إنما كانت تقع بعد الهجرة.
على أن الآيات بوعيدها ناظرة إلى هلاكهم بغزوة بدر وغيرها لا إلى فتح مكة.
وقوله:"و الله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب"يريد به أن الغلبة لله سبحانه فإنه يحكم وليس قبال حكمه أحد يعقبه ليغلبه بالمنع والرد وهو سبحانه يحاسب كل عمل بمجرد وقوعه بلا مهلة حتى يتصرف فيه غيره بالإخلال فقوله:"و الله يحكم"إلخ في معنى قوله في ذيل آية سورة الأنبياء المتقدمة:"أ فهم الغالبون".
قوله تعالى:"و قد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا"إلى آخر الآية.
أي وقد مكر الذين من قبلهم فلم ينفعهم مكرهم ولم يقدروا على صدنا من أن نأتي الأرض فننقصها من أطرافها فالله سبحانه يملك المكر كله ويبطله ويرده إلى أهله فليعتبروا.
وقوله:"يعلم ما تكسب كل نفس"في مقام التعليل لملكه تعالى كل مكر فإن المكر إنما يتم مع جهل الممكور به وأما إذا علم به فعنده بطلانه.
وقوله:"و سيعلم الكفار لمن عقبى الدار قطع للحجاج بدعوى أن مسألة انتهاء الأمور إلى عواقبها من الأمور الضرورية العينية لا تتخلف عن الوقوع وسيشهدونها شهود عيان فلا حاجة إلى الإطالة والإطناب في إعلامهم ذلك فسيعلمون."
في الدر المنثور ، أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله": ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه الآية تخويفا لهم ووعيدا لهم"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا.
أقول: والآية كما تقدم بيانه أجنبية عن هذا المعنى ، وفي ذيل هذا الحديث ويحدث الله في كل رمضان فيمحو الله ما يشاء ويثبت من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم ، وفي رواية أخرى عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : في الآية: قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه ، ويمحو من الأجل ويزيد فيه.
وهذا من قبيل التمثيل والآية أعم.
وفيه ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن قوله:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"قال: ذلك كل ليلة القدر يرفع ويخفض ويرزق غير الحياة والموت والشقاوة والسعادة فإن ذلك لا يزول.
أقول: والرواية على معارضتها الروايات الكثيرة جدا المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة تخالف إطلاق الآية وحجة العقل ، ومثلها ما عن ابن عمر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الشقوة والسعادة والحياة والموت وفيه ، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية فقال له: لأقرن عينيك بتفسيرها ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها. الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء.
أقول: والرواية لا تزيد على ذكر بعض مصاديق الآية.
وفي الكافي ، بإسناده عن هشام بن سالم وحفص بن البختري وغيرهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في هذه الآية:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"قال: فقال: وهل يمحى إلا ما كان ثابتا؟ وهل يثبت إلا ما لم يكن؟: أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن جميل عنه (عليه السلام) .
وفي تفسير العياشي ، عن الفضيل بن يسار قال. سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة ومن الأمور أمور موقوفة عند الله يقدم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت منها ما يشاء لم يطلع على ذلك أحدا يعني الموقوفة فأما ما جاءت به الرسل فهي كائنة لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته.
أقول: وروي بطريق آخر وكذا في الكافي بإسناده عن الفضيل عنه (عليه السلام) ما في معناه.