فهرس الكتاب

الصفحة 2399 من 4314

فالملخص من مضمون الآية أن لله سبحانه في كل وقت وأجل كتابا أي حكما وقضاء وأنه يمحو ما يشاء من هذه الكتب والأحكام والأقضية ويثبت ما يشاء أي يغير القضاء الثابت في وقت فيضع في الوقت الثاني مكانه قضاء آخر لكن عنده بالنسبة إلى كل وقت قضاء لا يتغير ولا يقبل المحو والإثبات وهو الأصل الذي يرجع إليه الأقضية الآخر وتنشأ منه فيمحو ويثبت على حسب ما يقتضيه هو.

ويتبين بالآية أولا: أن حكم المحو والإثبات عام لجميع الحوادث التي تداخله الآجال والأوقات وهو جميع ما في السماوات والأرض وما بينهما ، قال تعالى:"ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى": الأحقاف: 3.

وذلك لإطلاق قوله:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"واختصاص المورد بآيات النبوة لا يوجب تخصيص الآية لأن المورد لا يخصص.

وبذلك يظهر فساد قول بعضهم: إن ذلك في الأحكام وهو النسخ وقول ثان: إن ذلك في المباحات المثبتة في صحائف الأعمال يمحوها الله ويثبت مكانها طاعة أو معصية مما فيه الجزاء ، وقول ثالث: إنه محو ذنوب المؤمنين فضلا وإثبات ذنوب للكفار عقوبة ، وقول رابع: إنه في موارد يؤثر فيها الدعاء والصدقة في المحن والمصائب وضيق المعيشة ونحوها ، وقول خامس: إن المحو إزالة الذنوب بالتوبة والإثبات تبديل السيئات حسنات ، وقول سادس: إنه محو ما شاء الله من القرون والإثبات إنشاء قرون آخرين بعدهم ، وقول سابع: إنه محو القمر وإثبات الشمس وهو محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة ، وقول ثامن: إنه محو الدنيا وإثبات الآخرة ، وقول تاسع: إن ذلك في الأرواح حالة النوم يقبضها الله فيرسل من يشاء منهم ويمسك من يشاء ، وقول عاشر: إن ذلك في الآجال المكتوبة في ليلة القدر يمحو الله ما يشاء منها ويثبت ما يشاء.

فهذه وأمثالها أقوال لا دليل على تخصيص الآية الكريمة بها من جهة اللفظ البتة وللآية إطلاق لا ريب فيه ثم المشاهدة الضرورية تطابقه فإن ناموس التغير جار في جميع أرجاء العالم المشهود ، وما من شيء قيس إلى زمانين في وجوده إلا لاح التغير في ذاته وصفاته وأعماله ، وفي عين الحال إذا اعتبرت في نفسها وبحسب وقوعها وجدت ثابتة غير متغيرة فإن الشيء لا يتغير عما وقع عليه.

فللأشياء المشهودة جهتان جهة تغير يستتبع الموت والحياة والزوال والبقاء وأنواع الحيلولة والتبدل ، وجهة ثبات لا تتغير عما هي عليها وهما إما نفس كتاب المحو والإثبات وأم الكتاب ، وإما أمران مترتبان على الكتابين وعلى أي حال تقبل الآية الصدق على هاتين الجهتين.

وثانيا: أن لله سبحانه في كل شيء قضاء ثابتا لا يتغير وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم أن كل قضاء يقبل التغيير واستدل عليه بمتفرقات الروايات والأدعية الدالة على ذلك والآيات والأخبار الدالة على أن الدعاء والصدقة يدفعان سوء القضاء.

وفيه أن ذلك في القضاء غير المحتوم.

وثالثا: أن القضاء ينقسم إلى قضاء متغير وغير متغير وستستوفي تتمة البحث في الآية عن قريب إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"و إن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب""إن ما"هو إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد والدليل عليه دخول نون التأكيد في الفعل بعده.

وفي الآية إيضاح لما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الوظيفة وهو الاشتغال بأمر الإنذار والتبليغ فحسب فلا ينبغي له أن يتبع أهواءهم في نزول آية عليه كما اقترحوا حتى أنه لا ينبغي له أن ينتظر نتيجة بلاغه أو حلول ما أوعدهم الله من العذاب بهم.

وفي الآية دلالة على أن الحساب الإلهي يجري في الدنيا كما يجري في الآخرة.

قوله تعالى:"أ ولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها"إلخ كلام مسوق للعبرة بعد ما قدم إليهم الوعيد بالهلاك ، ومنه يعلم أن إتيان الأرض ونقصها من أطرافها كناية عن نقص أهلها بالإماتة والإهلاك فالآية نظيرة قوله:"بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أ فلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أ فهم الغالبون": الأنبياء: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت