و قوله:"لكل أجل"أي وقت محدود"كتاب"أي حكم مقضي مكتوب يخصه إشارة إلى ما يلوح إليه استثناء الإذن وسنة الله الجارية فيه ، والتقدير فالله سبحانه هو الذي ينزل ما شاء ويأذن فيما شاء لكنه لا ينزل ولا يأذن في كل آية في كل وقت فإن لكل وقت كتابا كتبه لا يجري فيه إلا ما فيه.
ومما تقدم يظهر أن ما ذكره بعضهم أن قوله:"لكل أجل كتاب"من باب القلب وأصله: لكل كتاب أجل أي إن لكل كتاب منزل من عند الله وقتا مخصوصا ينزل فيه ويعمل عليه فللتوراة وقت وللإنجيل وقت وللقرآن وقت.
وجه لا يعبأ به.
قوله تعالى:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب"محو الشيء هو إذهاب رسمه وأثره يقال: محوت الكتاب إذا أذهبت ما فيه من الخطوط والرسوم قال تعالى:"و يمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته": الشورى: 24 أي يذهب بآثار الباطل كما قال:"فأما الزبد فيذهب جفاء"وقال:"و جعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة": أسرى: 12 أي أذهبنا أثر الإبصار من الليل فالمحو قريب المعنى من النسخ يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت بأثره ورسمه.
وقد قوبل المحو في الآية بالإثبات وهو إقرار الشيء في مستقره بحيث لا يتحرك ولا يضطرب يقال: أثبت الوتد في الأرض إذا ركزته فيها بحيث لا يتحرك ولا يخرج من مركزه فالمحو هو إزالة الشيء بعد ثبوته برسمه ويكثر استعماله في الكتاب.
ووقوع قوله:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"بعد قوله:"لكل أجل كتاب"واتصاله به من جانب وبقوله:"و عنده أم الكتاب"من جانب ظاهر في أن المراد محو الكتب وإثباتها في الأوقات والآجال فالكتاب الذي أثبته الله في الأجل الأول إن شاء محاه في الأجل الثاني وأثبت كتابا آخر فلا يزال يمحى كتاب ويثبت كتاب آخر.
وإذا اعتبرنا ما في الكتاب من آية وكل شيء آية صح أن يقال لا يزال يمحو آية ويثبت آية كما يشير إليه قوله:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 106 ، وقوله:"و إذا بدلنا آية مكان آية"الآية: النحل: 101.
فقوله:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت"على ما فيه من الإطلاق يفيد فائدة التعليل لقوله:"لكل أجل كتاب"والمعنى أن لكل وقت كتابا يخصه فيختلف فاختلاف الكتب باختلاف الأوقات والآجال إنما ظهر من ناحية اختلاف التصرف الإلهي بمشيته لا من جهة اختلافها في أنفسها ومن ذواتها بأن يتعين لكل أجل كتاب في نفسه لا يتغير عن وجهه بل الله سبحانه هو الذي يعين ذلك بتبديل كتاب مكان كتاب ومحو كتاب وإثبات آخر.
وقوله:"و عنده أم الكتاب"أي أصله فإن الأم هي الأصل الذي ينشأ منه الشيء ويرجع إليه ، وهو دفع للدخل وإبانة لحقيقة الأمر فإن اختلاف حال الكتاب المكتوب لأجل بالمحو والإثبات أي تغير الحكم المكتوب والقول المقضي به حينا بعد حين ربما أوهم أن الأمور والقضايا ليس لها عند الله سبحانه صورة ثابتة وإنما يتبع حكمه العلل والعوامل الموجبة له من خارج كأحكامنا وقضايانا معاشر ذوي الشعور من الخلق أو أن حكمه جزافي لا تعين له في نفسه ولا مؤثر في تعينه من خارج كما ربما يتوهم أرباب العقول البسيطة أن الذي له ملك - بكسر اللام - مطلق وسلطنة مطلقة له أن يريد ما يشاء ويفعل ما يريد على حرية مطلقة من رعاية أي قيد وشرط وسلوك أي نظام أو لا نظام في عمله فلا صورة ثابتة لشيء من أفعاله وقضاياه عنده ، وقد قال تعالى:"ما يبدل القول لدي": ق: 29 ، وقال:"و كل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 إلى غير ذلك من الآيات.
فدفع هذا الدخل بقوله:"و عنده أم الكتاب"أي أصل جنس الكتاب والأمر الثابت الذي يرجع إليه هذه الكتب التي تمحى وتثبت بحسب الأوقات والآجال ولو كان هو نفسه تقبل المحو والإثبات لكان مثلها لا أصلا لها ولو لم يكن من أصله كان المحو والإثبات في أفعاله تعالى إما تابعا لأمور خارجة تستوجب ذلك فكان تعالى مقهورا مغلوبا للعوامل والأسباب الخارجية مثلنا والله يحكم لا معقب لحكمه.
وإما غير تابع لشيء أصلا وهو الجزاف الذي يختل به نظام الخلقة والتدبير العام الواحد بربط الأشياء بعضها ببعض جلت عنه ساحته ، قال تعالى:"و ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق": الدخان: 39.