48 سورة الفتح - 18 - 28
لّقَدْ رَضىَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَك تحْت الشجَرَةِ فَعَلِمَ مَا في قُلُوبهِمْ فَأَنزَلَ السكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونهَا وَكانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ كثِيرَةً تَأْخُذُونهَا فَعَجّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَف أَيْدِى النّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مّستَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاط اللّهُ بِهَا وَكانَ اللّهُ عَلى كلِّ شىْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَتَلَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا لَوَلّوُا الأَدْبَرَ ثُمّ لا يجِدُونَ وَلِيّا وَلا نَصِيرًا (22) سنّةَ اللّهِ الّتى قَدْ خَلَت مِن قَبْلُ وَلَن تجِدَ لِسنّةِ اللّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الّذِى كَف أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنهُم بِبَطنِ مَكّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الّذِينَ كَفَرُوا وَصدّوكمْ عَنِ الْمَسجِدِ الْحَرَامِ وَالهَْدْى مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ محِلّهُ وَلَوْ لا رِجَالٌ مّؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مّؤْمِنَتٌ لّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مّعَرّةُ بِغَيرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيّلُوا لَعَذّبْنَا الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَْمِيّةَ حَمِيّةَ الجَْهِلِيّةِ فَأَنزَلَ اللّهُ سكينَتَهُ عَلى رَسولِهِ وَعَلى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كلِمَةَ التّقْوَى وَكانُوا أَحَقّ بهَا وَأَهْلَهَا وَكانَ اللّهُ بِكلِّ شىْءٍ عَلِيمًا (26) لّقَدْ صدَقَ اللّهُ رَسولَهُ الرّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنّ الْمَسجِدَ الْحَرَامَ إِن شاءَ اللّهُ ءَامِنِينَ محَلِّقِينَ رُءُوسكُمْ وَمُقَصرِينَ لا تخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِك فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الّذِى أَرْسلَ رَسولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلى الدِّينِ كلِّهِ وَكَفَى بِاللّهِ شهِيدًا (28)
فصل رابع من الآيات يذكر تعالى فيه المؤمنين ممن كان مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في خروجه إلى الحديبية فيذكر رضاه عنهم إذ بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة ثم يمتن عليهم بإنزال السكينة وإثابة فتح قريب ومغانم كثيرة يأخذونها.
ويخبرهم - وهو بشرى - أن المشركين لو قاتلوهم لانهزموا وولوا الأدبار وأن الرؤيا التي رآها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رؤيا صادقة سيدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم لا يخافون فإنه تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
قوله تعالى:"لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة"الرضا هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها وتقبله من غير دفع ، ويقابله السخط ، وإذا نسب إلى الله سبحانه كان المراد الإثابة والجزاء الحسن دون الهيأة الطارئة والصفة العارضة الحادثة لاستحالة ذلك عليه تعالى: فرضاه سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات.
والرضا - كما قيل - يستعمل متعديا إلى المفعول بنفسه ومتعديا بعن ومتعديا بالباء فإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو: رضيت زيدا ، وعلى المعنى نحو: رضيت إمارة زيد ، قال تعالى:"و رضيت لكم الإسلام دينا": المائدة: 3 ، وإذا عدي بعن دخل على الذات كقوله:"رضي الله عنهم ورضوا عنه": البينة: 8 ، وإذا عدي بالباء دخل على المعنى كقوله تعالى:"أ رضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة".
ولما كان الرضا المنسوب إليه تعالى صفة فعل له بمعنى الإثابة والجزاء ، والجزاء إنما يكون بإزاء العمل دون الذات ففيما نسب من رضاه تعالى إلى الذات وعدي بعن كما في الآية"لقد رضي الله عن المؤمنين"نوع عناية استدعى عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات وهو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة الرضا ظرفا للرضى فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم.