و قوله:"يريدون أن يبدلوا كلام الله"قيل: المراد به وعده تعالى أهل الحديبية أن يخصهم بغنائم خيبر بعد فتحه كما سيجيء من قوله:"وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه الآية ، ويشير إليه في هذه الآية بقوله:"إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها"."
وقوله:"قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل"أمر منه تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يمنعهم عن اتباعهم استنادا إلى قوله تعالى من قبل أن يسألوهم الاتباع.
وقوله:"فسيقولون بل تحسدوننا"أي سيقول المخلفون بعد ما منعوا عما سألوه من الاتباع:"بل تحسدوننا"وقوله:"بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا"جواب عن قولهم:"بل تحسدوننا"لم يوجه الخطاب إليهم أنفسهم لأن المدعي أنهم لا يفقهون الحديث ولذلك وجه الخطاب بالجواب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:"بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا".
وذلك أن قولهم:"بل تحسدوننا"إضراب عن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم بأمر الله:"لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل"فمعنى قولهم: إن منعنا من الاتباع ليس عن أمر من قبل الله بل إنما تمنعنا أنت ومن معك من المؤمنين أهل الحديبية أن نشارككم في الغنائم وتريدون أن تختص بكم.
وهذا كلام لا يواجه به مؤمن له عقل وتمييز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المعصوم الذي لا يرد ولا يصدر في شأن إلا بأمر من الله اللهم إلا أن يكون من بساطة العقل وبلادة الفهم فهذا القول الذي واجهوا به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم مدعون للإيمان والإسلام أدل دليل على ضعف تعقلهم وقلة فقههم.
ومن هنا يظهر أن المراد بعدم فقههم إلا قليلا بساطة عقلهم وضعف فقههم للقول لا أنهم يفقهون بعض القول ولا يفقهون بعضه وهو الكثير ولا أن بعضهم يفقه القول وجلهم لا يفقهونه كما فسره به بعضهم.
قوله تعالى:"قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون"إلخ ، اختلفوا في هذا القوم من هم؟ فقيل: المراد به هوازن ، وقيل: ثقيف ، وقيل: هوازن وثقيف ، وقيل: هم الروم في غزاة مؤتة وتبوك ، وقيل: هم أهل الردة قاتلهم أبو بكر بعد الرحلة ، وقيل: هم الفارس ، وقيل: أعراب الفارس وأكرادهم.
وظاهر قوله:"ستدعون"أنهم بعض الأقوام الذين قاتلهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فتح خيبر من هوازن وثقيف والروم في مؤتة ، وقوله تعالى سابقا:"قل لن تتبعونا"ناظر إلى نفي اتباعهم في غزوة خيبر على ما يفيده السياق.
وقوله:"تقاتلونهم أو يسلمون"استئناف يدل على التنويع أي إما تقاتلون أو يسلمون أي إنهم مشركون لا تقبل منهم جزية كما تقبل من أهل الكتاب بل إما أن يقاتلوا أو يسلموا.
ولا يصح أخذ"تقاتلونهم"صفة لقوم لأنهم يدعون إلى قتال القوم لا إلى قتال قوم يقاتلونهم ، وكذا لا يصح أخذ حالا من نائب فاعل"ستدعون"لأنهم يدعون إلى قتال القوم لا أنهم يدعون إليهم حال قتالهم ، كذا قيل.
ثم تمم سبحانه الكلام بالوعد والوعيد على الطاعة والمعصية فقال:"فإن تطيعوا"أي بالخروج إليهم"يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا"أي بالمعصية وعدم الخروج"كما توليتم من قبل"ولم تخرجوا في سفره الحديبية"يعذبكم عذابا أليما"أي في الدنيا كما هو ظاهر المقام أو في الدنيا والآخرة معا.
قوله تعالى:"ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج"رفع للحكم بوجوب الجهاد عن ذوي العاهة الذين يشق عليهم الجهاد برفع لازمه وهو الحرج.
ثم تمم الآية أيضا بإعادة نظير ذيل الآية السابقة فقال:"و من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما".