فهرس الكتاب

الصفحة 1517 من 4314

و للمفسرين في تفسيرهما أقوال أخر ، من ذلك: أن ظاهر الإثم وباطنه هما المعصية في السر والعلانية ، وقيل: أريد بالظاهر أفعال الجوارح ، وبالباطن أفعال القلوب ، وقيل: الظاهر من الإثم هو الزنا ، والباطن اتخاذ الأخدان ، وقيل: ظاهر الإثم نكاح امرأة الأب ، وباطنه الزنا ، وقيل: ظاهر الإثم الزنا الذي أظهر به ، وباطنه الزنا إذا استسر به صاحبه على ما كان يراه أهل الجاهلية من العرب أن الزنا لا بأس به إذا لم يتجاهر به ، وإنما الفحشاء هو الذي أظهره صاحبه ، وهذه الأقوال - كما ترى - على أن جميعها أو أكثرها لا دليل عليها يخرج الآية عن حكم السياق.

وقوله تعالى:"إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون"تعليل للنهي وإنذار بالجزاء السيىء.

قوله تعالى:"و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه"نهي هو زميل قوله:"فكلوا مما ذكر اسم الله عليه"كما تقدم.

وقوله:"و إنه لفسق"إلى آخر الآية ، بيان لوجه النهي وتثبيت له أما قوله:"و إنه لفسق"فهو تعليل والتقدير: إنه لفسق وكل فسق يجب اجتنابه فالأكل مما لم يذكر اسم الله عليه واجب الاجتناب.

وأما قوله:"و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم"ففيه رد ما كان المشركون يلقونه إلى المؤمنين من الشبهة ، والمراد بأولياء الشياطين هم المشركون ، ومعناه أن ما يجادلكم به المشركون وهو قولهم: إنكم تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله يعنون الميتة ، هو مما أوحاه إليهم الشياطين من باطل القول ، والفارق أن أكل الميتة فسق دون أكل المذكى ، وأن الله حرم أكل الميتة ولم يحرم أكل المذكى فليس فيما حرمه الله ذكر ما ذكر اسم الله عليه.

وأما قوله:"و إن أطعتموهم إنكم لمشركون"فهو تهديد وتخويف بالخروج من الإيمان ، والمعنى: إن أطعتم المشركين في أكل الميتة الذي يدعونكم إليه صرتم مشركين مثلهم إما لأنكم استننتم بسنة المشركين ، أو لأنكم بطاعتهم تكونوا أولياء لهم فتكونون منهم قال تعالى:"و من يتولهم منكم فإنه منهم": المائدة: 51.

ووقوع هذه الجملة أعني قوله:"و إن أطعتموهم"إلخ ، في ذيل النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه دون الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه يدل على أن المشركين كانوا يريدون من المؤمنين بجدالهم أن لا يتركوا أكل الميتة لا أن يتركوا أكل المذكى.

في الدر المنثور ،: أخرج ابن مردويه عن أبي اليمان جابر بن عبد الله قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ، ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره كلما صرع صنما أتبعه الناس ضربا بالفئوس حتى يكسرونه ويطرحونه خارجا من المسجد والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.

وفيه ،: أخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : في قوله:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا"قال: لا إله إلا الله.

وفي الكافي ، بإسناده عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الإمام ليسمع في بطن أمه فإذا ولد خط بين كتفيه:"و تمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته - وهو السميع العليم"فإذا صار الأمر إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة.

أقول: وروي هذا المعنى بطرق أخرى عن عدة من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) ورواه أيضا القمي والعياشي في تفسيريهما عنه (عليه السلام) ، وفي بعضها: أن الآية تكتب بين عينيه ، وفي بعضها: على عضده الأيمن.

واختلاف مورد الكتابة في الروايات تكشف عن أن المراد بها القضاء بظهور الحكم الإلهي به (عليه السلام) واختلاف ما كتب عليه لاختلاف الاعتبار فكأن المراد بكتابتها فيما بين عينيه جعلها وجهة له يتوجه إليها ، وبكتابتها بين كتفيه حملها عليه وإظهاره وتأييده بها وبكتابتها على عضده الأيمن جعلها طابعا على عمله وتقويته وتأييده بها.

وهذه الرواية والروايتان السابقتان عليها تؤيد ما قدمناه أن ظاهر الآية كون المراد بتمام الكلمة ظهور الدعوة الإسلامية بما يلازمها من نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن والإمامة من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت