قوله تعالى:"إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"ذكروا أن"أعلم"إذا لم يتم بمن ربما أفاد معنى التفضيل وربما استعمل بمعنى الصفة خالية عن التفضيل ، والآية تحتمل المعنيين جميعا فإن أريد حقيقة العلم بالضالين والمهتدين فهو لله سبحانه لا يشاركه فيها أحد حتى يفضل عليه ، وإن أريد مطلق العلم أعم مما كان المتصف به متصفا بذاته أو كان اتصافه به بعطية منه تعالى كان المتعين هو معنى التفضيل فإن لغيره تعالى علما بالضال والمهتدي قدر ما أفاضه الله عليه من العلم.
وتعدي أعلم بالباء في قوله:"أعلم بالمهتدين"يدل على أن قوله:"من يضل"منصوب بنزع الخافض والتقدير:"أعلم بمن يضل"ويؤيده ما نقلناه آنفا من آية سورة النجم.
قوله تعالى:"فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين"لما تمهد ما قدمه من البيان الذي هو حجة على أن الله سبحانه هو أحق بأن يطاع من غيره استنتج منه وجوب الأخذ بالحكم الذي شرعه وهو الذي يدل عليه هذه الآية ، ووجوب رفض ما يبيحه غيره بهواه من غير علم ويجادل المؤمنين فيه بوحي الشياطين إليه ، وهو الذي يدل عليه قوله:"و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى آخر الآية."
ومن هنا يظهر أن العناية الأصلية متعلقة بجملتين من بين الجمل المتسقة في الآية إلى تمام أربع آيات ، وسائر الجمل مقصودة بتبعها يبين بها ما يتوقف عليه المطلوب بجهاته فأصل الكلام: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أي فرقوا بين المذكى والميتة فكلوا من هذه ولا تأكلوا من ذاك ، وإن كان المشركون يجادلونكم في أمر التفريق.
فقوله:"فكلوا مما ذكر اسم الله"تفريع للحكم على البيان السابق ، ولذا أردفه بقوله:"إن كنتم بآياته مؤمنين"والمراد بما ذكر اسم الله عليه الذبيحة المذكاة.
قوله تعالى:"و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه"إلى آخر الآية ، بيان تفصيلي لإجمال التفريع الذي في الآية السابقة ، والمعنى: أن الله فصل لكم ما حرم عليكم واستثنى صورة الاضطرار وليس فيما فصل لكم ما ذكر اسم الله عليه فلا بأس بأكله وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين المتجاوزين عن حدوده وهؤلاء هم المشركون القائلون: لا فرق بين ما قتلتموه أنتم وما قتله الله فكلوا الجميع أو دعوا الجميع.
ويظهر بما مر أن معنى قوله:"و ما لكم ألا تأكلوا"ما لكم من نفع في أن لا تأكلوا ، وما للاستفهام التعجيبي ، وقيل: المعنى ليس لكم أن لا تأكلوا ، وما للنفي.
ويظهر من الآية أن محرمات الأكل نزلت قبل سورة الأنعام وقد وقعت في سورة النحل من السور المكية فهي نازلة قبل الأنعام.
قوله تعالى:"و ذروا ظاهر الإثم وباطنه"إلى آخر الآية ، وإن كانت مطلقة بحسب المضمون تنهى عن عامة الإثم ظاهره وباطنه غير أن ارتباطها بالسياق المتصل الذي لسابقتها ولاحقتها يقضي بكونها تمهيدا للنهي الآتي في قوله:"و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق"ولازم ذلك أن يكون الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه من مصاديق الإثم حتى يرتبط بالتمهيد السابق عليه فهو من الإثم الظاهر أو الباطن لكن التأكيد البليغ الذي في قوله:"و إنه لفسق"يفيد أنه من الإثم الباطن وإلا لم تكن حاجة إلى تأكيده ذاك التأكيد الأكيد.
وبهذا البيان يظهر أن المراد بظاهر الإثم المعصية التي لا ستر على شؤم عاقبته ولا خفاء في شناعة نتيجته كالشرك والفساد في الأرض والظلم ، وبباطن الإثم ما لا يعرف منه ذلك في بادىء النظر كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وإنما يتميز هذا النوع بتعريف إلهي وربما أدركه العقل ، هذا هو الذي يعطيه السياق من معنى ظاهر الإثم وباطنه.