و بهذا الذي ذكرنا يتأيد: أن المراد بتقديمهم لأنفسهم تقديم العمل الصالح ليوم القيامة كما قال تعالى:"يوم ينظر المرء ما قدمت يداه:"النبأ - 40 ، وقال تعالى أيضا:"و ما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا:"المزمل - 20 ، فقوله تعالى:"و قدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه"إلخ"، مماثل السياق لقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون:"الحشر - 18 ، فالمراد والله أعلم بقوله تعالى: وقدموا لأنفسكم تقديم العمل الصالح ، ومنه تقديم الأولاد برجاء صلاحهم للمجتمع ، وبقوله تعالى: واتقوا الله ، التقوى بالأعمال الصالحة في إتيان الحرث وعدم التعدي عن حدود الله والتفريط في جنب الله وانتهاك محارم الله ، وبقوله تعالى: واعلموا أنكم ملاقوه"إلخ"، الأمر بتقوى الله بمعنى الخوف من يوم اللقاء وسوء الحساب كما أن المراد بقوله تعالى في آية الحشر واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون الآية ، التقوى بمعنى الخوف ، وإطلاق الأمر بالعلم وإرادة لازمه وهو المراقبة والتحفظ والاتقاء شائع في الكلام ، قال تعالى:"و اعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه:"الأنفال - 24 ، أي اتقوا حيلولته بينكم وبين قلوبكم ولما كان العمل الصالح وخوف يوم الحساب من اللوازم الخاصة بالإيمان ذيل تعالى كلامه بقوله: وبشر المؤمنين ، كما صدر آية الحشر بقوله: يا أيها الذين آمنوا."
في الدر المنثور ،: أخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وأبو حاتم والنحاس في ناسخه وأبو حيان والبيهقي في سننه عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت ، فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فأنزل الله: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى - فاعتزلوا النساء في المحيض الآية ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح ، فبلغ ذلك اليهود فقالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ، فجاء أسيد بن خضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود قالت: كذا وكذا أ فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى ظننا أن قد وجد عليهما ، فخرجا ، فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل في أثرهما فسقاهما فعرفا أنه لم يحد عليهما.
وفي الدر المنثور ، عن السدي: في قوله: ويسألونك عن المحيض ، قال: الذي سأل عن ذلك ثابت بن الدحداح: أقول: وروي مثله عن مقاتل أيضا.
وفي التهذيب ، عن الصادق (عليه السلام) في حديث: في قوله تعالى: فأتوهن من حيث أمركم الله الآية ، قال (عليه السلام) : هذا في طلب الولد فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله.
وفي الكافي ،: سئل عن الصادق (عليه السلام) : ما لصاحب المرأة الحائض منها؟ فقال (عليه السلام) : كل شيء ما عدا القبل بعينه.
وفيه ، أيضا عنه (عليه السلام) : في المرأة ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها ، قال (عليه السلام) : إذا أصاب زوجها شبق فليأمر فلتغسل فرجها ثم يمسها إن شاء ، قبل أن تغتسل ، وفي رواية: والغسل أحب إلي.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة جدا وهي تؤيد قراءة يطهرن بالتخفيف وهو انقطاع الدم كما قيل: إن الفرق بين يطهرن ويتطهرن أن الثاني قبول الطهارة ، ففيه معنى الاختيار فيناسب الاغتسال ، بخلاف الأول فإنه حصول الطهارة ، فليس فيه معنى الاختيار فيناسب الطهارة بانقطاع الدم ، والمراد بالتطهر إن كان هو الغسل بفتح الغين أفاد استحباب ذلك ، وإن كان هو الغسل بضم الغين أفاد استحباب الإتيان بعد الغسل كما أفاده (عليه السلام) بقوله: والغسل أحب إلي ، لا حرمة الإتيان قبله أعني فيما بين الطهارة والتطهر لمنافاته كون يطهرن غاية مضروبة للنهي ، فافهم ذلك.