قوله تعالى:"فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة"إلى آخر الآية ، معنى الآية ظاهر ، وفيها أمر بإنذارهم وتهديدهم إن كذبوا بالبأس الإلهي الذي لا مرد له لكن لا ببيان يسلط عليهم اليأس والقنوط بل بما يشوبه بعض الرجاء ، ولذلك قدم عليه قوله:"ربكم ذو رحمة واسعة".
قوله تعالى:"سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء"الآية تذكر احتجاجهم بهذه الحجة ثم ترد عليهم بأنهم جاهلون بها وإنما يركنون فيها إلى الظن والتخمين ، والكلمة كلمة حق وردت في كثير من الآيات القرآنية لكنها لا تنتج ما قصدوه منها.
فإنهم إنما احتجوا بها لإثبات أن شركهم وتحريمهم ما رزقهم الله بإمضاء من الله سبحانه لا بأس عليهم في ذلك فحجتهم أن الله لو شاء منا خلاف ما نحن عليه من الشرك والتحريم لكنا مضطرين على ترك الشرك والتحريم فإذ لم يشأ كان ذلك إذنا في الشرك والتحريم فلا بأس بهذا الشرك والتحريم.
وهذه الحجة لا تنتج هذه النتيجة وإنما تنتج أن الله سبحانه إذ لم يشأ منهم ذلك لم يوقعهم موقع الاضطرار والإجبار فهم مختارون في الشرك والكف عنه وفي التحريم وتركه فله تعالى أن يدعوهم إلى الإيمان به ورفض الافتراض فلله الحجة البالغة ولا حجة لهم في ذلك إلا اتباع الظن والتخمين.
قوله تعالى:"قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين"كأن الفاء الأولى لتفريع مضمون الجملة على ما تقدم من قولهم"لو شاء الله ما أشركنا"إلخ ، والفاء الثانية للتعليل فيكون الكلام من قبيل قلب الحجة على الخصم بعد بيان مقتضاها.
والمعنى أن نتيجة الحجة قد التبست عليكم بجهلكم واتباعكم الظن وخرصكم في المعارف الإلهية فحجتكم تدل على أن لا حجة لكم في دعوته إياكم إلى رفض الشرك وترك الافتراء عليه ، وأن الحجة إنما هي لله عليكم فإنه لو شاء لهداكم أجمعين وأجبركم على الإيمان وترك الشرك والتحريم ، وإذ لم يجبركم على ذلك وأبقاكم على الاختيار فله أن يدعوكم إلى ترك الشرك والتحريم.
وبعبارة أخرى: يتفرع على حجتكم أن الحجة لله عليكم لأنه لو شاء لأجبر على الإيمان فهداكم أجمعين ، ولم يفعل بل جعلكم مختارين يجوز بذلك دعوتكم إلى ما دعاكم إليه.
وقد بين تعالى في طائفة من الآيات السابقة أنه تعالى لم يضطر عباده على الإيمان ولم يشأ منهم ذلك بالمشية التكوينية حتى يكونوا مجبرين عليه بل أذن لهم في خلافه وهذا الإذن الذي هو رفع المانع التكويني هو اختيار العباد وقدرتهم على جانبي الفعل والترك ، وهذا الإذن لا ينافي الأمر التشريعي بترك الشرك مثلا بل هو الأساس الذي يبتني عليه الأمر والنهي.
قوله تعالى:"قل هلم شهداءكم الذين يشهدون"إلى آخر الآية.
هلم شهداءكم أي هاتوا شهداءكم وهو اسم فعل يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع ، والمراد بالشهادة شهادة الأداء والإشارة بقوله:"هذا"إلى ما ذكر من المحرمات عندهم ، والخطاب خطاب تعجيزي أمر به الله سبحانه ليكشف به أنهم مفترون في دعواهم أن الله حرم ذلك فهو كناية عن عدم التحريم.
وقوله:"فإن شهدوا فلا تشهد معهم"في معنى الترقي ، والمعنى: لا شاهد فيهم يشهد بذلك فلا تحريم حتى أنهم لو شهدوا بالتحريم فلا تشهد معهم إذ لا تحريم ولا يعبأ بشهادتهم فإنهم قوم يتبعون أهواءهم.
فقوله:"و لا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا"إلخ ، عطف تفسير لقوله:"فإن شهدوا فلا تشهد معهم"أي إن شهادتك اتباع لأهوائهم كما أن شهادتهم من اتباع الأهواء ، وكيف لا؟ وهم قوم كذبوا بآيات الله الباهرة ، ولا يؤمنون بالآخرة ويعدلون بربهم غيره من خلقه كالأوثان ، ولا يجترىء على ذلك مع كمال البيان وسطوع البرهان إلا الذين يتبعون الأهواء.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله"الآية قال: إنه كان إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل لله تعالى ردوه ، وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى ، وإذا تخرق الماء من الذي لله في الذي للأصنام لم يسدوه ، وإذا تخرق من الذي للأصنام في الذي لله سدوه وقالوا: الله أغنى: عن ابن عباس وقتادة ، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) .