و اعلم أن منطوق الآية وإن كان راجعا إلى النبوة وفيها انتقال من الكلام في التوحيد إلى الكلام في النبوة على حد الآيات التالية ، لكن في مدلولها حجة أخرى على التوحيد وذلك أن الرسالة من لوازم الربوبية التي شأنها تدبير الناس في طريق سعادتهم ومسيرهم إلى غايات وجودهم فعموم رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رسول الله تعالى لا رسول غيره دليل على أن الربوبية منحصرة في الله سبحانه فلو كان هناك رب غيره لجاءهم رسوله ولم يعم رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عمتهم واحتاجوا معه إلى غيره ، وهذا معنى قول علي (عليه السلام) - على ما روي - لو كان لربك شريك لأتتك رسله.
ويؤيده ما في ذيل الآية من قوله:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون"فإن دالة انحصار الرسالة في رسل الله على انحصار الربوبية في الله عز اسمه أمس بجهل الناس من كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) رسولا كافا لهم عن المعاصي بشيرا ونذيرا.
فمفاد الآية على هذا: لا يمكنهم أن يروك شريكا له والحال أنا لم نرسلك إلا كافا لجميع الناس بشيرا ونذيرا ولو كان لهم إله غيرنا لم يسع لنا أن نرسلك إليهم وهم عباد لإله آخر والله أعلم.
قوله تعالى:"و يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين"سؤال عن وقت الجمع والفتح وهو البعث فالآية متصلة بقوله السابق:"قل يجمع بيننا ربنا"الآية ، وهذا أيضا من شواهد ما قدمنا من المعنى لقوله:"و ما أرسلناك إلا كافة"وإلا كانت هذه الآية والتي بعدها متخللتين بين قوله:"و ما أرسلناك"الآية ، والآيات التالية المتعرضة لمسألة النبوة.
قوله تعالى:"قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون"أمر منه تعالى أن يجيبهم بأن لهم ميعاد يوم مقضي محتوم لا يتخلف عن الوقوع فهو واقع قطعا ولا يختلف وقت وقوعه البتة أي إن الله وعد به وعدا لا يخلفه إلا أن وقت وقوعه مستور لا يعلمه إلا الله سبحانه.
وما قيل: إن المراد به يوم الموت غير سديد فإنهم لم يسألوا إلا عما تقدم وعده وهو يوم الجمع والفتح والجمع ثم الفتح من خصائص يوم القيامة دون يوم الموت.
في تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله تعالى:"حتى إذا فزع عن قلوبهم - قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا فصعق أهل السماوات. فلما فرغ عن الوحي انحدر جبرئيل كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم يقول: كشف عن قلوبهم ، فقال بعض لبعض: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير: أقول: وروي مثله من طرق أهل السنة موصولا وموقوفا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومدلول الرواية على أي حال مصداق من مصاديق الآية ولا تصلح لتفسيرها البتة.
وفي الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن ابن عباس وفي المجمع عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي. بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود وإنما كان النبي يبعث إلى قومه ، ونصرت بالرعب يرعب مني عدوي على مسيرة شهر ، وأطعمت المغنم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئا.
أقول: وروي أيضا هذا المعنى عن ابن المنذر عن أبي هريرة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والرواية معارضة لما ورد مستفيضا أن نوحا كان مبعوثا إلى الناس كافة وذكر في بعضها إبراهيم (عليه السلام) وفي بعضها أن أولي العزم كلهم مبعوثون إلى الدنيا كافة ، وتخالف أيضا عموم الشفاعة للأنبياء المستفاد من عدة من الروايات وقد قال تعالى:"و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون": الزخرف: 86 ، وقد شهد القرآن بأن المسيح (عليه السلام) من الشهداء قال تعالى:"و يوم القيامة يكون عليهم شهيدا": النساء: 159.