28 سورة القصص - 85 - 88
إِنّ الّذِى فَرَض عَلَيْك الْقُرْءَانَ لَرَادّك إِلى مَعَادٍ قُل رّبى أَعْلَمُ مَن جَاءَ بِالهُْدَى وَمَنْ هُوَ في ضلَلٍ مّبِينٍ (85) وَمَا كُنت تَرْجُوا أَن يُلْقَى إِلَيْك الْكتَب إِلا رَحْمَةً مِّن رّبِّك فَلا تَكُونَنّ ظهِيرًا لِّلْكَفِرِينَ (86) وَلا يَصدّنّك عَنْ ءَايَتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَت إِلَيْك وَادْعُ إِلى رَبِّك وَلا تَكُونَنّ مِنَ الْمُشرِكينَ (87) وَلا تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كلّ شىْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الحُْكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
الآيات خاتمة السورة وفيها وعد جميل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الله سبحانه سيمن عليه برفع قدره ونفوذ كلمته وتقدم دينه وانبساط الأمن والسلام عليه وعلى المؤمنين به كما فعل ذلك بموسى وبني إسرائيل ، وقد كانت قصة موسى وبني إسرائيل مسوقة في السورة لبيان ذلك.
قوله تعالى:"إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"إلى آخر الآية الفرض - على ما ذكره - بمعنى الإيجاب فمعنى"فرض عليك القرآن"أي أوجب عليك العمل به أي بما فيه من الأحكام ففيه مجاز في النسبة.
وأحسن منه قول بعضهم: إن المعنى أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل به وذلك لكونه أوفق لقوله:"لرادك إلى معاد"بما سيجيء من معناه.
وقوله:"لرادك إلى معاد"المعاد اسم مكان أو زمان من العود وقد اختلفت كلماتهم في تفسير هذا المعاد فقيل: هو مكة فالآية وعد له أن الله سيرده بعد هجرته إلى مكة ثانيا ، وقيل: هو الموت ، وقيل: هو القيامة ، وقيل: هو المحشر ، وقيل هو المقام المحمود وهو موقف الشفاعة الكبرى ، وقيل: هو الجنة ، وقيل: هو بيت المقدس ، وهو في الحقيقة وعد بمعراج ثان يعود فيه إلى بيت المقدس بعد ما كان دخله في المعراج الأول: وقيل: هو الأمر المحبوب فيقبل الانطباق على جل الأقوال السابقة أو كلها.
والذي يعطيه التدبر في سياق آيات السورة هو أن تكون الآية تصريحا بما كانت القصة المسرودة في أول السورة تلوح إليه ثم الآيات التالية لها تؤيده.
فإنه تعالى أورد قصة بني إسرائيل وموسى (عليهما السلام) في أول السورة ففصل القول في أنه كيف من عليهم بالأمن والسلام والعزة والتمكن بعد ما كانوا أذلاء مستضعفين بأيدي آل فرعون يذبحون أبناءهم يستحيون نساءهم ، وقد كانت القصة تدل بالالتزام - ومطلع السورة يؤيده - على وعد جميل للمؤمنين أن الله سبحانه سينجيهم مما هم عليه من الفتنة والشدة والعسرة ويظهر دينهم على الدين كله ويمكنهم في الأرض بعد ما كانوا لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم.
ثم ذكر بعد الفراغ من القصة أن من الواجب في الحكمة أن ينزل كتابا يهدي الناس إلى الحق تذكرة وإتماما للحجة ليتقوا بذلك من عذاب الله كما نزله على موسى بعد ما أهلك القرون الأولى وكما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن كذبوا به عنادا للحق وإيثارا للدنيا على الآخرة.
وهذا السياق يرجي السامع أنه تعالى سيتعرض صريحا لما أشار إليه في سرد القصة تلويحا فإذا سمع قوله:"إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"لم يلبث دون أن يفهم أنه هو الوعد الجميل الذي كان يترقبه وخاصة مع الابتداء بقوله:"إن الذي فرض عليك القرآن"وقد قدم تنظير التوراة بالقرآن وقد كان ما قصه في إنجاء بني إسرائيل مقدمة لنزول التوراة حتى يكونوا بالأخذ بها والعمل بها أئمة ويكونوا هم الوارثين.
فمعنى الآية: إن الذي فرض عليك القرآن لتقرأه على الناس وتبلغه وتعملوا به سيردك ويصيرك إلى محل تكون هذه الصيرورة منك إليه عودا ويكون هو معادا لك كما فرض التوراة على موسى ورفع به قدره وقدر قومه ، ومن المعلوم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بمكة على ما فيها من الشدة والفتنة ثم هاجر منها ثم عاد إليها فاتحا مظفرا وثبتت قواعد دينه واستحكمت أركان ملته وكسرت الأصنام وانهدم بنيان الشرك والمؤمنون هم الوارثون للأرض بعد ما كانوا أذلاء معذبين.
وفي تنكير قوله:"معاد"إشارة إلى عظمة قدر هذا العود وأنه لا يقاس إلى ما قبله من القطون بها والتاريخ يصدقه.