و قوله:"قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين"يؤيد ما قدمنا من المعنى فإنه يحاذي قول موسى (عليه السلام) - لما كذبوه ورموا آياته البينات بأنها سحر مفترى -:"ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار"فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول للفراعنة من مشركي قومه لما كذبوه ورموه بالسحر ما قال موسى لآل فرعون لما كذبوه ورموه بالسحر للتشابه التام بين مبعثيهما وسير دعوتهما كما يظهر من القصة ويظهر ذلك تمام الظهور بالتأمل في قوله تعالى:"إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا": المزمل: 15.
ولعل الاكتفاء بالشطر الأول من قول موسى (عليه السلام) والسكوت عن الشطر الثاني أعني قوله:"و من تكون له عاقبة الدار"لبناء الكلام بحسب سياقه على أن لا يتعدى حد الإشارة والإيماء كما يستشم من سياق قوله:"لرادك إلى معاد"أيضا حيث خص الخطاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونكر معادا.
وكيف كان فالمراد بقوله:"من جاء بالهدى"النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه وبقوله:"و من هو في ضلال مبين"المشركون من قومه ، واختلاف سياق الجملتين - حيث قيل في جانبه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"من جاء بالهدى"وفي جانبهم:"من هو في ضلال مبين"فقوبل بين ضلالهم وبين مجيئه بالهدى لا بين ضلالهم واهتدائه - لكون تكذيبهم متوجها بالطبع إلى ما جاء به لا إلى نفسه.
وقد ذكروا في قوله:"أعلم من جاء بالهدى"أن"من"منصوب بفعل مقدر يدل عليه"أعلم"والتقدير يعلم من جاء به بناء على ما هو المشهور أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به ، وذكر بعضهم أنه منصوب بأعلم وهو بمعنى عالم ولا دليل عليه ، وما أذكر قائلا بأنه منصوب بنزع الخافض وإن لم يظهر فيه النصب لبنائه والتقدير ربي أعلم بمن جاء بالهدى ، ولا دليل على منعه.
1614 16 قوله تعالى:"و ما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين"صدر الآية تقرير للوعد الذي في قوله:"إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد"أي أنه سيردك إلى معاد - وما كنت ترجوه كما ألقى إليك الكتاب وما كنت ترجوه -.
وقيل: تذكرة استينافية لنعمته تعالى عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا وجه وجيه وتقريره أنه تعالى لما وعده بالرد إلى معاد وفيه ارتفاع ذكره وتقدم دعوته وانبساط دينه خط له السبيل التي يجب عليه سلوكها بجهد ومراقبة فبين له أن إلقاء الكتاب إليه لم يكن على نهج الحوادث العادية التي من شأنها أن ترتجى وتترقب بل كانت رحمة خاصة من ربه وقد وعده في فرضه عليه ما وعده فمن الواجب عليه قبال هذه النعمة وفي تقدم دعوته وبلوغها الغاية التي وعدها أن لا ينصر الكافرين ولا يطيعهم ويدعو إلى ربه ولا يكون من المشركين ولا يدعو معه إلها آخر.
وقوله:"إلا رحمة من ربك"استثناء منقطع أي لكنه ألقى إليك رحمة من ربك وليس بإلقاء عادي يرجى مثله.
وقوله:"فلا تكونن ظهيرا للكافرين"تفريع على قوله:"إلا رحمة من ربك"أي فإذا كان إلقاؤه إليك رحمة من ربك خصك بها وهو فوق رجائك فتبرء من الكافرين ولا تكن معينا وناصرا لهم.
ومن المحتمل قريبا أن يكون في الجملة نوع محاذاة لقول موسى (عليه السلام) - لما قتل القبطي:"رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين"وعلى هذا يكون في النهي عن إعانتهم إشارة إلى أن إلقاء الكتاب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) نعمة أنعمها الله عليه يهدي به إلى الحق ويدعو إلى التوحيد فعليه أن لا يعين الكافرين على كفرهم ولا يميل إلى صدهم إياه عن آيات الله بعد نزولها عليه كما عاهد موسى (عليه السلام) ربه بما أنعم عليه من الحكم والعلم أن لا يكون ظهيرا للمجرمين أبدا ، وسيأتي أن قوله:"و لا يصدنك"إلخ ، بمنزلة الشارح لهذه الجملة.
قوله تعالى:"و لا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك"إلى آخر الآية ، نهي له (صلى الله عليه وآله وسلم) على الانصراف عن آيات الله بلسان نهي الكفار عن الصد والصرف ووجهه كون انصرافه مسببا لصدهم وهو كقوله لآدم وزوجه:"فلا يخرجنكما من الجنة"أي لا تخرجا منها بإخراجه لكما بالوسوسة.