و من المعلوم أن الشركاء يحتجون لنفي كونهم معبودين لهم لا لإثبات كون الهوى والشيطان معبودين لهم مع الشركاء فإن هذا لا ينفعهم في الحجة البتة ، ويستلزم لغوية إثباتهم الغفلة لأنفسهم في قولهم:"إن كنا عن عبادتكم لغافلين"لأن الأهواء أيضا ما كانت شاعرة بعبادتهم كما أن الأصنام وهي أجسام ميتة كذلك.
ولعل القائل اعتمد في قوله على الحصر المفهوم من قوله:"ما كنتم إيانا تعبدون"بتقديم المفعول على فعله ، وظاهره أنه قصر قلب مدلوله نفي المعبودية عن أنفسهم وإثباته لغيرهم ، ليس نفيا لأصل العبادة فإنهم يثبتونها في قولهم:"عن عبادتكم"فإن إضافة المصدر إلى معموله يفيد الثبوت.
لكن الحق أن هؤلاء الشركاء إنما قالوا لهم:"ما كنتم إيانا تعبدون"تجاه ما قاله المشركون على ما حكاه الله:"ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك": النحل: - 86 فنفوا عبادتهم عن الله سبحانه وأثبتوها للشركاء والشركاء لم يكن ينفعهم إلا نفي عبادة المشركين عن أنفسهم ، وأما أنها ثابتة لمن؟ فلا غرض لهم يتعلق بذلك وإنما همهم تنزيه أنفسهم عن دعوى الشركة ، وقد احتجوا على ذلك بإثبات الغفلة عن ذلك لأنفسهم ، ولو كانوا شاعرين بعبادتهم وعبدوهم كان لزمهم أعني الشركاء دعوى الشركة.
قوله تعالى:"فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم"إلى آخر الآية ، ظهر معناه بما مر من التقرير والفاء في قوله:"فكفى بالله يفيد التعليل كقولنا: اعبد الله فهو ربك ، وهو شائع في الكلام."
قوله تعالى:"هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت"إلى آخر الآية ، البلاء الاختبار ، والإشارة بقوله:"هنالك"إلى الموقف الذي ذكره بقوله:"ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم".
فذلك الموقف موقف تختبر وتمتحن كل نفس ما أسلفت وقدمت من الأعمال فتنكشف لها حقيقة أعمالها وتشاهدها مشاهدة عيان لا مجرد الذكر أو البيان ، وبمشاهدة الحق من كل شيء عيانا ينكشف أن المولى الحق هو الله سبحانه ، وتسقط وتنهدم جميع الأوهام ، وتضل جميع الدعاوي التي يفتريها الإنسان بأوهامه وأهوائه على الحق.
فهذه الافتراءات والدعاوي جميعا إنما نشأت من حيث الروابط التي نضعها في هذه الدنيا بين الأسباب والمسببات والاستقلال والمولوية التي نعطيها الأسباب ولا إله إلا الله ولا مولى حقا إلا هو سبحانه فإذا انجلت حقيقة الأمر ، وانكشف غيم الوهم وانهتك حجاب الدعاوي ظهر أن لا مولى حقا إلا هو سبحانه ، وبطل جميع الآلهة التي إنما أثبتها الافتراء من الإنسان ، وسقطت وحبطت جميع الأعمال إلا ما عبد به الله سبحانه عبادة حق.
فالفقرات الثلاث من الآية أعني قوله:"تبلوا كل نفس"إلخ ، وقوله:"ردوا إلى الله"إلخ ، وقوله:"و ضل عنهم"إلخ ، كل منها تعين الأخريين على إفادة حقيقة معناها ، ومحصل مفاد المجموع ظهور حقيقة الولاية الإلهية يومئذ ظهور عيان وأن ليس لغيره تعالى إلا الفقر والمملوكية المحصنة فيبطل عند ذلك كل دعوى باطلة وينهدم بنيان الأوهام.
كما يشير إلى ذلك قوله:"هنالك الولاية لله الحق: الكهف: - 44 ، وقوله:"يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار: المؤمن: - 16:"و قوله والأمر يومئذ لله: الانفطار: - 19 ، إلى غير ذلك."
في أمالي المفيد ، بإسناده إلى أبي إسحاق الهمداني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : فيما كتب إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر وأمره أن يقرأه على الناس ، وفيما كتب: قال الله تعالى:"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"والحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا. وفي تفسير القمي ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في الآية: فأما الحسنى فهي الجنة ، وأما الزيادة فالدنيا ما أعطاهم الله في الدنيا يحاسبهم الله في الآخرة ، ويجمع الله لهم ثواب الدنيا والآخرة.
الحديث.
أقول: والروايتان ناظرتان إلى المعنى الأول الذي قدمناه في البيان المتقدم وروى ما في معنى الثاني الطبرسي في المجمع ، عن الباقر (عليه السلام) .