فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 4314

و في تفسير العياشي ، عن عبد الله بن الوليد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) : قال الله تعالى لموسى (عليه السلام) : وكتبنا له في الألواح من كل شيء فعلمنا أنه لم يكتب لموسى الشيء كله ، وقال تعالى لعيسى: لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ، وقال الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء.

أقول: وروي في بصائر الدرجات ، هذا المعنى عن عبد الله بن الوليد بطريقين ، وقوله (عليه السلام) قال الله لموسى"إلخ"، إشارة إلى أن قوله تعالى في الألواح من كل شيء يفسر قوله تعالى في حق التوراة:"و تفصيل كل شيء"إذ لو كان المراد به استيعاب البيان لجميع جهات كل شيء لم يصح قوله: في الألواح من كل شيء فهذا الكلام شاهد على أن المراد من تفصيل كل شيء تفصيله بوجه لا من جميع الجهات فافهم.

مسألة النبوة العامة بالنظر إلى كون النبوة نحو تبليغ للأحكام وقوانين مجعولة مشرعة وهي أمور اعتبارية غير حقيقية ، وإن كانت مسألة كلامية غير فلسفية فإن البحث الفلسفي إنما ينال الأشياء من حيث وجوداتها الخارجية وحقائقها العينية ولا يتناول الأمور المجعولة الاعتبارية.

لكنها بالنظر إلى جهة أخرى مسألة فلسفية وبحث حقيقي ، وذلك أن المواد الدينية: من المعارف الأصلية والأحكام الخلقية والعملية لها ارتباط بالنفس الإنسانية من جهة أنها تثبت فيها علوما راسخة أو أحوالا تؤدي إلى ملكات راسخة ، وهذه العلوم والملكات تكون صورا للنفس الإنسانية تعين طريقها إلى السعادة والشقاوة ، والقرب والبعد من الله سبحانه ، فإن الإنسان بواسطة الأعمال الصالحة والاعتقادات الحقة الصادقة يكتسب لنفسه كمالات لا تتعلق إلا بما هي له عند الله سبحانه من القرب والزلفى ، والرضوان والجنان وبواسطة الأعمال الطالحة والعقائد السخيفة الباطلة يكتسب لنفسه صورا لا تتعلق إلا بالدنيا الداثرة وزخارفها الفانية ويؤديها ذلك أن ترد بعد مفارقة الدنيا وانقطاع الاختيار إلى دار البوار ومهاد النار وهذا سير حقيقي.

وعلى هذا فالمسألة حقيقية والحجة التي ذكرناها في البيان السابق واستفدناها من الكتاب العزيز حجة برهانية.

توضيح ذلك: أن هذه الصور للنفس الإنسانية الواقعة في طريق الاستكمال ، والإنسان نوع حقيقي بمعنى أنه موجود حقيقي مبدأ لآثار وجودية عينية ، والعلل الفياضة للموجودات أعطتها قابلية النيل إلى كمالها الأخير في وجودها بشهادة التجربة والبرهان ، والواجب تعالى تام الإفاضة فيجب أن يكون هناك إفاضة لكل نفس مستعدة بما يلائم استعدادها من الكمال ، ويتبدل به قوتها إلى الفعلية ، من الكمال الذي يسمى سعادة إن كانت ذات صفات حسنة وملكات فاضلة معتدلة أو الذي يسمى شقاوة إن كانت ذات رذائل وهيئات ردية.

وإذ كانت هذه الملكات والصور حاصلة لها من طريق الأفعال الاختيارية المنبعثة عن اعتقاد الصلاح والفساد ، والخوف والرجاء ، والرغبة إلى المنافع ، والرهبة من المضار ، وجب أن تكون هذه الإفاضة أيضا متعلقه بالدعوة الدينية بالتبشير والإنذار والتخويف والتطميع لتكون شفاء للمؤمنين فيكملوا به في سعادتهم ، وخسارا للظالمين فيكملوا به في شقاوتهم ، والدعوة تحتاج إلى داع يقدم بها وهو النبي المبعوث من عنده تعالى.

فإن قلت: كفى في الدعوة ما يدعو إليه العقل من اتباع الإنسان للحق في الاعتقاد والعمل ، وسلوكه طريق الفضيلة والتقوى ، فأي حاجة إلى بعث الأنبياء.

قلت: العقل الذي يدعو إلى ذلك ، ويأمر به هو العقل العملي الحاكم بالحسن والقبح ، دون العقل النظري المدرك لحقائق الأشياء كما مر بيانه سابقا ، والعقل العملي يأخذ مقدمات حكمه من الإحساسات الباطنة ، والإحساسات التي هي بالفعل في الإنسان في بادي حاله هي إحساسات القوى الشهوية والغضبية ، وأما القوة الناطقة القدسية فهي بالقوة ، وقد مر أن هذا الإحساس الفطري يدعو إلى الاختلاف ، فهذه التي بالفعل لا تدع الإنسان يخرج من القوة إلى الفعل كما هو مشهود من حال الإنسان فكل قوم أو فرد فقد التربية الصالحة عاد عما قليل إلى التوحش والبربرية مع وجود العقل فيهم وحكم الفطرة عليهم ، فلا غناء عن تأييد إلهي بنبوة تؤيد العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت