و في الآية دلالة على أن العذاب الشامل لأهله إنما هو من قبلهم لا من قبله ، وكذا كل ما يستوجب العذاب من ضلال أو شرك أو معصية ، ولو كان شيء من ذلك من قبله تعالى لكان العذاب الذي يستتبعه أيضا من قبله لأن المسبب يستند إلى من استند إليه السبب.
في تفسير العياشي ، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم: عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله"إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا - ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا"قال: نزلت في عبد الله بن أبي سرح الذي بعثه عثمان إلى مصر ثم ازداد كفرا حين لم يبق فيه من الإيمان شيء وفيه ، عن أبي بصير قال: سمعته يقول:"إن الذين ءامنوا ثم كفروا"الآية من زعم أن الخمر حرام ثم شربها ، ومن زعم أن الزنا حرام ثم زنى ، ومن زعم أن الزكاة حق ولم يؤدها.
أقول: فيه تعميم للآية على الكفر بجميع مراتبه ، ومن مراتبه ترك الواجبات وفعل المحرمات ، وتأييد لما تقدم في البيان.
وفيه ، عن محمد بن الفضيل: عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قول الله"و قد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم ءايات الله - إلى قوله إنكم إذا مثلهم"قال: إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أخر.
وفي العيون ، بإسناده عن أبي الصلت الهروي: عن الرضا (عليه السلام) في قول الله جل جلاله"و لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"قال: فإنه يقول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين حجة ، ولقد أخبر الله تعالى عن كفار قتلوا نبيهم بغير الحق ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلا. وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن علي:"و لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا"قال: في الآخرة.
أقول: وقد تقدم أن ظاهر السياق هو الآخرة ولو عمم لغيرها بأخذ الجملة وحدها شملت الحجة في الدنيا.
وفي العيون ، بإسناده عن الحسن بن فضال قال: سألت علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن قوله"يخادعون الله وهو خادعهم"فقال الله تبارك وتعالى: لا يخادع ، ولكنه يجازيهم جزاء الخديعة. وفي تفسير العياشي ، عن مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل: فيما النجاة غدا؟ فقال: النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم فإنه من يخادع الله يخدعه ، ويخلع منه الإيمان ونفسه يخدع لو يشعر. فقيل: فكيف يخادع الله؟ قال: يعمل بما أمر الله ثم يريد به غيره فاتقوا الرئاء فإنه شرك بالله ، إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر ، يا فاجر ، يا غادر ، يا خاسر ، حبط عملك ، وبطل أجرك ، ولا خلاق لك اليوم ، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له. وفي الكافي ، بإسناده عن أبي المعزى الخصاف رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : من ذكر الله عز وجل في السر فقد ذكر الله كثيرا ، إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ، ولا يذكرونه في السر فقال الله عز وجل:"يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا"أقول: وهذا معنى آخر لقلة الذكر لطيف.
وفي الدر المنثور: أخرج ابن المنذر عن علي قال: لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟.
أقول: وهذا أيضا معنى لطيف ، ومرجعه بالحقيقة إلى ما مر في الخبر السابق.
وفيه: أخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في سننه عن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا.
أقول: وهذا معنى آخر لقلة الذكر فإن لمثل هذا المصلي من الذكر مجرد التوجه إلى الله بقيامه إلى الصلاة ، وكان يمكنه أن يستغرق في ذكره بالحضور والطمأنينة في صلاته.
والمراد بكون الشمس بين قرني الشيطان دنوها من أفق الغروب كأنه يجعل النهار والليل قرنين للشيطان ينطح بهما ابن آدم أو يظهر لابن آدم.