و منه يظهر أن المؤاخذة المذكورة في قوله:"و لكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"هي المؤاخذة على حنث اليمين لا على نفس إيقاعها ، وإنما أضيفت إلى اليمين لتعلق متعلقها - أعني الحنث - بها ، فقوله:"فكفارته"متفرع على الحنث المقدر لدلالة قوله:"يؤاخذكم ، إلخ ، عليه ، ونظير هذا البيان جار في قوله:"ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم"وتقديره: إذا حلفتم وحنثتم."
وقوله:"إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة"خصال ثلاث يدل الترديد على تعيين إحداها عند الحنث من غير جمع ، ويدل قوله بعده:"فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام"على كون الخصال المذكورة تخييرية من غير لزوم مراعاة الترتيب الواقع بينها في الذكر ، وإلا لغا التفريع في قوله:"فمن لم يجد""إلخ"، وكان المتعين بحسب اقتضاء السياق أن يقال: أو صيام ثلاثة أيام.
وفي الآية أبحاث فرعية كثيرة مرجعها علم الفقه.
قوله تعالى:"ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم"تقدم أن الكلام في تقدير: إذا حلفتم وحنثتم ، وفي قوله:"ذلك كفارة أيمانكم"وكذا في قوله:"كذلك يبين الله لكم"نوع التفات ورجوع من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولعل النكتة فيه أن الجملتين جميعا من البيان الإلهي للناس إنما هو بوساطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان في ذلك حفظا لمقامه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان ما أوحي إليه للناس كما قال تعالى:"و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم":"النحل: 44".
قوله تعالى:"كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون"أي يبين لكم بواسطة نبيه أحكامه لعلكم تشكرونه بتعلمها والعمل بها.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا - لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"الآية ،: قال حدثني أبي عن ابن أبي عمير ، عن بعض رجاله ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مظعون فأما أمير المؤمنين (عليه السلام) فحلف أن لا ينام بالليل أبدا ، وأما بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا ، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا. فدخلت امرأة عثمان على عائشة ، وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة: ما لي أراك متعطلة؟ فقالت: ولمن أتزين؟ فوالله ما قربني زوجتي منذ كذا وكذا فإنه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا. فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات؟ ألا إني أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنتي فليس مني. فقاموا هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله عليه:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم - ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان - فكفارته إطعام عشرة مساكين - من أوسط ما تطعمون أهليكم - أو كسوتهم أو تحرير رقبة - فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم".
أقول: وفي انطباق قوله تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"الآية ، على حلفهم خفاء ، وقد تقدم بعض الكلام فيه ، وقد روى الطبرسي في مجمع البيان ، القصة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ولم يذكر الذيل فليتأمل فيه.
وفي الإحتجاج ، عن الحسن بن علي (عليهما السلام) في حديث: أنه قال لمعاوية وأصحابه: أنشدكم بالله أ تعلمون أن عليا أول من حرم الشهوات على نفسه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم".