فهرس الكتاب

الصفحة 1184 من 4314

و على هذا فقوله:"كلوا""إلخ"، من قبيل ورود الأمر عقيب الحظر ، وتخصيص قوله:"كلوا"بعد تعميم قوله:"لا تحرموا طيبات""إلخ"، إما تخصيص بحسب اللفظ فقط ، والمراد بالأكل مطلق التصرف فيما رزقه الله تعالى من طيبات نعمه ، سواء كان بالأكل بمعنى التغذي أو بسائر وجوه التصرف ، وقد تقدم مرارا أن استعمال الأكل بمعنى مطلق التصرف استعمال شائع ذائع.

وإما أن يكون المراد - ومن الممكن ذلك - الأكل بمعناه الحقيقي ، ويكون سبب نزول الآيتين تحريم بعض المؤمنين في زمن النزول المأكولات الطيبة على أنفسهم فتكون الآيتان نازلتين في النهي عن ذلك ، وقد عمم النهي في الآية الأولى للأكل وغيره إعطاء للقاعدة الكلية لكون ملاك النهي يعم محللات الأكل وغيرها على حد سواء.

وقوله:"مما رزقكم الله"لازم ما استظهرناه من معنى الآيتين كونه مفعولا لقوله:"كلوا"وقوله:"حلالا طيبا"حالين من الموصول وبذلك تتوافق الآيتان ، وربما قيل: إن قوله:"حلالا طيبا"مفعول قوله:"كلوا"وقوله:"مما رزقكم الله"متعلق بقوله:"كلوا"أو حال من الحلال قدم عليه لكونه نكرة ، أو كون قوله:"حلالا"وصفا لمصدر محذوف ، والتقدير: رزقا حلالا طيبا إلى غير ذلك.

وربما استدل بعضهم بقوله:"حلالا"على أن الرزق يشمل الحلال والحرام معا وإلا لغا القيد.

والجواب: أنه ليس قيدا احترازيا لإخراج ما هو رزق غير حلال ولا طيب بل قيد توضيحي مساو لمقيده ، والنكتة في الإتيان به بيان أن كونه حلالا طيبا لا يدع عذرا لمعتذر في الاجتناب والكف عنه على ما تقدم ، وقد تقدم الكلام في معنى الرزق في ذيل الآية 27 من سورة آل عمران في الجزء الثالث من هذا الكتاب.

قوله تعالى:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"اللغو ما لا يترتب عليه أثر من الأعمال ، والأيمان جمع يمين وهو القسم والحلف قال الراغب في المفردات: واليمين في الحلف مستعار من اليد اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره ، قال تعالى:"أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة ، وأقسموا بالله جهد أيمانهم ، لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم"انتهى ، والتعقيد مبالغة في العقد وقرىء: عقدتم بالتخفيف ، وقوله:"في أيمانكم"متعلق بقوله:"لا يؤاخذكم"أو بقوله:"باللغو"وهو أقرب.

والتقابل الواقع بين قوله:"باللغو في أيمانكم"وقوله:"بما عقدتم الأيمان"يعطي أن المراد باللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه الحالف ، وإنما يجري على لسانه جريا لعادة اعتادها أو لغيرها وهو قولهم - وخاصة في قبيل البيع والشرى -: لا والله ، بلى والله ، بخلاف ما عقد عليه عقدا بالالتزام بفعل أو ترك كقول القائل: والله لأفعلن كذا ، وو الله لأتركن كذا.

هذا هو الظاهر من الآية ، ولا ينافي ذلك أن يعد شرعا قول القائل: والله لأفعلن المحرم الفلاني ، والله لأتركن الواجب الفلاني مثلا من لغو اليمين لكون الشارع ألغى اليمين فيما لا رجحان فيه ، فإنما هو إلحاق من جهة السنة ، وليس من الواجب أن يدل القرآن على خصوص كل ما ثبت بالسنة بخصوصه.

وأما قوله:"و لكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان"فلا يشمل إلا اليمين الممضاة شرعا لمكان قوله في ذيل الآية:"و احفظوا أيمانكم"فإنه لا مناص عن شموله لهذه الأيمان بحسب إطلاق لفظه ، ولا معنى للأمر بحفظ الأيمان التي ألغى الله سبحانه اعتبارها فالمتعين أن اللغو من الأيمان في الآية ما لا عقد فيه ، وما عقد عليه هو اليمين الممضاة.

قوله تعالى:"فكفارته إطعام عشرة مساكين - إلى قوله - أو تحرير رقبة ، الكفارة هي العمل الذي يستر به مساءة المعصية بوجه ، من الكفر بمعنى الستر ، قال تعالى:"نكفر عنكم سيئاتكم":"النساء: 31"، قال الراغب: والكفارة ما يغطي الإثم ومنه كفارة اليمين ، انتهى."

وقوله:"فكفارته"تفريع على اليمين باعتبار مقدر هو نحو من قولنا: فإن حنثتم فكفارته كذا ، وذلك لأن في لفظ الكفارة دلالة على معصية تتعلق به الكفارة ، وليست هذه المعصية هي نفس اليمين ، ولو كان كذلك لم يورد في ذيل الآية قوله:"و احفظوا أيمانكم"إذ لا معنى لحفظ ما فيه معصية فالكفارة إنما تتعلق بحنث اليمين لا بنفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت