فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 4314

و إضافة قوله:"طيبات"إلى قوله:"ما أحل الله لكم"- مع أن الكلام تام بدونه - للإشارة إلى تتميم سبب النهي فإن تحريم المؤمنين لما أحل الله لهم على أنه اعتداء منهم على الله في سلطانه ، ونقض لإيمانهم بالله وتسليمهم لأمره كذلك هو خروج منهم عن حكم الفطرة ، فإن الفطرة تستطيب هذه المحللات من غير استخباث ، وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك فيما نعت به نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) والشريعة التي جاء بها حيث قال:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون":"الأعراف: 175".

وبهذا الذي بينا يتأيد أولا: أن المراد بتحريم طيبات ما أحل الله هو الإلزام والالتزام بترك المحللات.

وثانيا: أن المراد بالحل مقابل الحرمة ويعم المباحات والمستحبات بل والواجبات قضاء لحق المقابلة.

وثالثا: أن إضافة الطيبات إلى ما أحل الله في قوله:"طيبات ما أحل الله لكم"إضافة بيانية.

ورابعا: أن المراد بالاعتداء في قوله:"و لا تعتدوا"هو الاعتداء على الله سبحانه في سلطانه التشريعي ، أو التعدي عن حدود الله بالانخلاع عن طاعته والتسليم له وتحريم ما أحله كما قال تعالى في ذيل آية الطلاق:"تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون":"البقرة: 292"، وقوله في ذيل آيات الإرث:"تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ، ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين":"النساء: 14"، والآيات - كما ترى - تعد الاستقامة والالتزام بما شرعه الله طاعة له تعالى ولرسوله ممدوحة ، والخروج عن التسليم والالتزام والانقياد اعتداء وتعديا لحدود الله مذموما معاقبا عليه.

فمحصل مفاد الآية النهي عن تحريم ما أحله الله بالاجتناب عنه والامتناع من الاقتراب منه فإنه يناقض الإيمان بالله وآياته ويخالف كون هذه المحللات طيبات لا خباثة فيها حتى يجتنب عنها لأجلها ، وهو اعتداء والله لا يحب المعتدين.

قوله تعالى:"و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"قد عرفت أن ظاهر السياق أن المراد بالاعتداء هو التحريم المذكور في الجملة السابقة عليه فقوله:"و لا تعتدوا"يجري مجرى التأكيد لقوله:"لا تحرموا ، إلخ".

وأما ما ذكره بعضهم: أن المراد بالاعتداء تجاوز حد الاعتدال في المحللات بالانكباب على التمتع بها ولاستلذاذ منها قبال تركها واجتناب تناولها تقشفا وترهبا فيكون معنى الآية: لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم من الطيبات المستلذة بأن تتعمدوا ترك التمتع بها تنسكا وتقربا إليه تعالى ، ولا تعتدوا بتجاوز حد الاعتدال إلى الإسراف والإفراط الضار بأبدانكم أو نفوسكم.

أو أن المراد بالاعتداء تجاوز المحللات الطيبة إلى الخبائث المحرمة ، ويعود المعنى إلى أن لا تجتنبوا المحللات ولا تقترفوا المحرمات ، وبعبارة أخرى: لا تحرموا ما أحل الله لكم ، ولا تحللوا ما حرم الله عليكم.

فكل من المعنيين وإن كان في نفسه صحيحا يدل عليه الكتاب بما لا غبار عليه لكن شيئا منهما لا ينطبق على الآية بظاهر سياقها وسياق ما يتلوها من الآية اللاحقة فما كل معنى صحيح يمكن تحميله على كل لفظ كيفما سيق وأينما وقع.

قوله تعالى:"و كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا"إلى آخر الآية ، ظاهر العطف أعني انعطاف قوله:"و كلوا"على قوله:"لا تحرموا"أن يكون مفاد هذه الآية بمنزلة التكرار والتأكيد لمضمون الآية السابقة ، ويؤيده سياق صدر الآية من حيث اشتماله على قوله:"حلالا طيبا"، وهو يحاذي قوله في الآية السابقة:"طيبات ما أحل الله"، وكذا ذيلها من حيث المحاذاة الواقعة بين قوله فيه:"و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنين"وقوله في الآية السابقة:"يا أيها الذين آمنوا"وقد مر بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت