فهرس الكتاب

الصفحة 1336 من 4314

قوله تعالى:"ثم أنتم تمترون"من المرية بمعنى الشك والريب ، وقد وقع في الآية التفات من الغيبة إلى الحضور ، وكأن الوجه فيه أن الآية الأولى تذكر خلقا وتدبيرا عاما ينتج من ذلك أن الكفار ما كان ينبغي لهم أن يعدلوا بالله سبحانه غيره ، وكان يكفي في ذلك ذكرهم بنحو الغيبة لكن الآية الثانية تذكر الخلق والتدبير الواقعين في الإنسان خاصة فكان من الحري الذي يهيج المتكلم المتعجب اللائم أن يواجههم بالخطاب ويلومهم بالتجبيه كأنه يقول: هذا خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور عذرناكم في الغفلة عن حكمه لكون ذلك أمرا عاما ربما أمكن الذهول عما يقتضيه فما عذركم أنتم في امترائكم فيه وهو الذي خلقكم وقضى فيكم أجلا وأجل مسمى عنده؟.

قوله تعالى:"و هو الله في السماوات وفي الأرض"الآيتان السابقتان تذكران الخلق والتدبير في العوالم عامة وفي الإنسان خاصة ، ويكفي ذلك في التنبه على أن الله سبحانه هو الإله الواحد الذي لا شريك له في خلقه وتدبيره.

لكنهم مع ذلك أثبتوا آلهة أخرى وشفعاء مختلفة لوجوه التدبير المختلفة كإله الحياة وإله الرزق وإله البر وإله البحر وغير ذلك ، وكذا للأنواع والأقوام والأمم المتشتتة كإله السماء وإله هذه الطائفة وإله تلك الطائفة فنفى ذلك بقوله:"و هو الله في السماوات وفي الأرض".

فالآية نظيرة قوله:"و هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم": الزخرف: 84 مفادها انبساط حكم ألوهيته تعالى في السماوات وفي الأرض من غير تفاوت أو تحديد ، وهي إيضاح لما تقدم وتمهيد لما يتلوها من الكلام.

قوله تعالى:"يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون"السر والجهر متقابلان وهما وصفان للأعمال ، فسرهم ما عملوه سرا وجهرهم ما عملوه جهرا من غير ستر.

وأما ما يكسبون فهو الحال النفساني الذي يكسبه الإنسان بعمله السري والجهري من حسنة أو سيئة فالسر والجهر المذكوران - كما عرفت - وصفان صوريان لمتون الأعمال الخارجية ، وما يكسبونه حال روحي معنوي قائم بالنفوس فهما مختلفان بالصورية والمعنوية ، ولعل اختلاف المعلومين من حيث نفسهما هو الموجب لتكرار ذكر العلم في قوله:"يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون".

والآية كالتمهيد لما ستتعرض له من أمر الرسالة والمعاد فإن الله سبحانه لما كان عالما بما يأتي به الإنسان من عمل سرا أو جهرا ، وكان عالما بما يكسبه لنفسه بعمله من خير أو شر ، وكان إليه زمام التربية والتدبير كان له أن يرسل رسولا بدين يشرعه لهداية الناس على الرغم مما يصر عليه الوثنيون من الاستغناء عن النبوة كما قال تعالى:"إن علينا للهدى": الليل: 12.

وكذا هو تعالى لما كان عالما بالأعمال وبتبعاتها في نفس الإنسان كان عليه أن يحاسبهم في يوم لا يغادر منهم أحدا كما قال تعالى:"أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28.

في الكافي ، بإسناده عن الحسن بن علي بن أبي حمزة قال قال أبو عبد الله (عليه السلام) : إن سورة الأنعام نزلت جملة ، شيعها سبعون ألف ملك حتى أنزلت على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عز وجل فيها في سبعين موضعا ، ولو يعلم الناس ما في قراءتها ما تركوها: أقول: ورواه العياشي عنه (عليه السلام) مرسلا.

وفي تفسير القمي ، قال حدثني أبي عن الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام) قال: نزلت الأنعام جملة واحدة ، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها استغفروا له إلى يوم القيامة.

أقول: ورواه في المجمع ، أيضا عن الحسين بن خالد عنه (عليه السلام) : إلا أنه قال سبحوا له إلى يوم القيامة.

وفي تفسير العياشي ، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك حين أنزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعظموها وبجلوها فإن اسم الله عز وجل فيها سبعين موضعا ، ولو يعلم الناس ما في قراءتها من الفضل ما تركوها ، الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت