فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 4314

و كيف كان فظاهر كلامه تعالى أن المراد بالأجل والأجل المسمى هو آخر مدة الحياة لإتمام المدة كما يفيده قوله:"فإن أجل الله لآت"الآية.

فتبين بذلك أن الأجل أجلان: الأجل على إبهامه ، والأجل المسمى عند الله تعالى.

وهذا هو الذي لا يقع فيه تغير لمكان تقييده بقوله"عنده"وقد قال تعالى:"و ما عند الله باق": النحل: - 96 وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغير ولا يتبدل قال تعالى:"إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون": يونس: 49.

فنسبة الأجل المسمى إلى الأجل غير المسمى نسبة المطلق المنجز إلى المشروط المعلق فمن الممكن أن يتخلف المشروط المعلق عن التحقق لعدم تحقق شرطه الذي علق عليه بخلاف المطلق المنجز فإنه لا سبيل إلى عدم تحققه البتة.

والتدبر في الآيات السابقة منضمة إلى قوله تعالى:"لكل أجل كتاب ، يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب": الرعد: 39 يفيد أن الأجل المسمى هو الذي وضع في أم الكتاب ، وغير المسمى من الأجل هو المكتوب فيما نسميه بلوح المحو والإثبات ، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن أم الكتاب قابل الانطباق على الحوادث الثابتة في العين أي الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب العامة التي لا تتخلف عن تأثيرها ، ولوح المحو والإثبات قابل الانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة التي ربما نسميها بالمقتضيات التي يمكن اقترانها بموانع تمنع من تأثيرها.

واعتبر ما ذكر من أمر السبب التام والناقص بمثال إضاءة الشمس فإنا نعلم أن هذه الليلة ستنقضي بعد ساعات وتطلع علينا الشمس فتضيء وجه الأرض لكن يمكن أن يقارن ذلك بحيلولة سحابة أو حيلولة القمر أو أي مانع آخر فتمنع من الإضاءة ، وأما إذا كانت الشمس فوق الأفق ولم يتحقق أي مانع مفروض بين الأرض وبينها فإنها تضيء وجه الأرض لا محالة.

فطلوع الشمس وحده بالنسبة إلى الإضاءة بمنزلة لوح المحو والإثبات ، وطلوعها مع حلول وقته وعدم أي حائل مفروض بينها وبين الأرض بالنسبة إلى الإضاءة بمنزلة أم الكتاب المسمى باللوح المحفوظ.

فالتركيب الخاص الذي لبنية هذا الشخص الإنساني مع ما في أركانه من الاقتضاء المحدود يقتضي أن يعمر العمر الطبيعي الذي ربما حددوه بمائة أو بمائة وعشرين سنة وهذا هو المكتوب في لوح المحو والإثبات مثلا غير أن لجميع أجزاء الكون ارتباطا وتأثيرا في الوجود الإنساني فربما تفاعلت الأسباب والموانع التي لا نحصيها تفاعلا لا نحيط به فأدى إلى حلول أجله قبل أن ينقضي الأمد الطبيعي ، وهو المسمى بالموت الاخترامي.

وبهذا يسهل تصور وقوع الحاجة بحسب ما نظم الله الوجود إلى الأجل المسمى وغير المسمى جميعا ، وأن الإبهام الذي بحسب الأجل غير المسمى لا ينافي التعين بحسب الأجل المسمى ، وأن الأجل غير المسمى والمسمى ربما توافقا وربما تخالفا والواقع حينئذ هو الأجل المسمى البتة.

هذا ما يعطيه التدبر في قوله:"ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده"وللمفسرين تفسيرات غريبة للأجلين الواقعين في الآية: منها: أن المراد بالأجل الأول ما بين الخلق والموت والثاني ما بين الموت والبعث ، ، ذكره عدة من الأقدمين وربما روي عن ابن عباس.

ومنها: أن الأجل الأول أجل أهل الدنيا حتى يموتوا ، والثاني أجل الآخرة الذي لا آخر له ، ونسب إلى المجاهد والجبائي وغيرهما.

ومنها: أن الأجل الأول أجل من مضى ، والثاني أجل من بقي من سيأتي ، ونسب إلى أبي مسلم.

ومنها: أن الأجل الأول النوم ، والثاني الموت.

ومنها: أن المراد بالأجلين واحد ، وتقدير الآية الشريفة: ثم قضى أجلا وهذا أجل مسمى عنده.

ولا أرى الاشتغال بالبحث عن صحة هذه الوجوه وأشباهها وسقمها يسوغه الوقت على ضيقه ، ولا يسمح بإباحته العمر على قصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت