20 سورة طه - 115 - 126
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسىَ وَلَمْ نجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَئكةِ اسجُدُوا لاَدَمَ فَسجَدُوا إِلا إِبْلِيس أَبى (116) فَقُلْنَا يَئَادَمُ إِنّ هَذَا عَدُوّ لّك وَلِزَوْجِك فَلا يخْرِجَنّكُمَا مِنَ الْجَنّةِ فَتَشقَى (117) إِنّ لَك أَلا تجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنّك لا تَظمَؤُا فِيهَا وَلا تَضحَى (119) فَوَسوَس إِلَيْهِ الشيْطنُ قَالَ يَئَادَمُ هَلْ أَدُلّك عَلى شجَرَةِ الخُْلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) فَأَكلا مِنهَا فَبَدَت لهَُمَا سوْءَتُهُمَا وَطفِقَا يخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَْنّةِ وَعَصى ءَادَمُ رَبّهُ فَغَوَى (121) ثمّ اجْتَبَهُ رَبّهُ فَتَاب عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطا مِنْهَا جَمِيعَا بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ فَإِمّا يَأْتِيَنّكم مِّنى هُدًى فَمَنِ اتّبَعَ هُدَاى فَلا يَضِلّ وَلا يَشقَى (123) وَمَنْ أَعْرَض عَن ذِكرِى فَإِنّ لَهُ مَعِيشةً ضنكًا وَنحْشرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَب لِمَ حَشرْتَنى أَعْمَى وَقَدْ كُنت بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِك أَتَتْك ءَايَتُنَا فَنَسِيتهَا وَكَذَلِك الْيَوْمَ تُنسى (126)
قصة دخول آدم وزوجه الجنة وخروجهما منها بوسوسة من الشيطان وقضائه تعالى عند ذلك بتشريع الدين وسعادة من اتبع الهدى وشقاء من أعرض عن ذكر الله.
وقد وردت القصة في هذه السورة بأوجز لفظ وأجمل بيان ، وعمدة العناية فيها - كما يشهد به تفصيل ذيلها - متعلقة ببيان ما حكم به من تشريع الدين والجزاء بالثواب والعقاب ، ويؤيده أيضا التفريع بعدها بقوله:"و كذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه"إلخ ، نعم للقصة تعلق ما أيضا من جهة ذكرها توبة آدم بقوله فيما تقدم:"و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى".
والقصة - كما يظهر من سياقها في هذه السورة وغيرها مما ذكرت فيها كالبقرة والأعراف - تمثل حال الإنسان بحسب طبعه الأرضي المادي فقد خلقه الله سبحانه في أحسن تقويم وغمره في نعمه التي لا تحصى وأسكنه جنة الاعتدال ومنعه عن تعديه بالخروج إلى جانب الإسراف باتباع الهوى والتعلق بسراب الدنيا ونسيان جانب الرب تعالى بترك عهده إليه وعصيانه واتباع وسوسة الشيطان الذي يزين له الدنيا ويصور له ويخيل إليه أنه لو تعلق بها ونسي ربه اكتسب بذلك سلطانا على الأسباب الكونية يستخدمها ويستذل بها كل ما يتمناه من لذائذ الحياة وأنها باقية له وهو باق لها ، حتى إذا تعلق بها ونسي مقام ربه ظهرت له سوآت الحياة ولاحت له مساوىء الشقاء بنزول النوازل وخيانة الدهر ونكول الأسباب وتولي الشيطان عنه فطفق يخصف عليه من ظواهر النعم يستدرك بموجود نعمة مفقود أخرى ويميل من عذاب إلى ما هو أشد منه ويعالج الداء المؤلم بآخر أكثر منه ألما حتى يؤمر بالخروج من جنة النعمة والكرامة إلى مهبط الشقاء والخيبة.
فهذه هي التي مثلت لآدم (عليه السلام) إذ أدخله الله الجنة وضرب له بالكرامة حتى آل أمره إلى ما آل إلا أن واقعته (عليه السلام) كانت قبل تشريع أصل الدين وجنته جنة برزخية ممثلة في عيشة غير دنيوية فكان النهي لذلك إرشاديا لا مولويا ومخالفته مؤدية إلى أمر قهري ليس بجزاء تشريعي كما تقدم تفصيله في تفسير سورتي البقرة والأعراف.
قوله تعالى:"و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما"المراد بالعهد الوصية وبهذا المعنى يطلق على الفرامين والدساتير العهود ، والنسيان معروف وربما يكنى به عن الترك لأنه لازمه إذ الشيء إذا نسي ترك ، والعزم القصد الجازم إلى الشيء قال تعالى:"فإذا عزمت فتوكل على الله:"آل عمران: 159 وربما أطلق على الصبر ولعله لكون الصبر أمرا شاقا على النفوس فيحتاج إلى قصد أرسخ وأثبت فسمي الصبر باسم لازمه قال تعالى:"إن ذلك لمن عزم الأمور".
فالمعنى وأقسم لقد وصينا آدم من قبل فترك الوصية ولم نجد له قصدا جازما إلى حفظها أو صبرا عليها والعهد المذكور - على ما يظهر من قصته (عليه السلام) في مواضع من كلامه تعالى - هو النهي عن أكل الشجرة ، بمثل قوله:"لا تقربا هذه الشجرة:"الأعراف: 19.