قوله تعالى:"و إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى"معطوف على مقدر والتقدير اذكر عهدنا إليه واذكر وقتا أمرنا الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس حتى يظهر أنه نسي ولم يعزم على حفظ الوصية ، وقوله:"أبى"جواب سؤال مقدر تقديره ما ذا فعل إبليس؟ فقيل: أبى.
قوله تعالى:"فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى"تفريع على إباء إبليس عن السجدة أي فلما أبى قلنا إرشادا لآدم إلى ما فيه صلاح أمره ونصحا: إن هذا الآبي عن السجدة - إبليس - عدو لك ولزوجك إلخ.
وقوله:"فلا يخرجنكما من الجنة"توجيه نهي إبليس عن إخراجهما من الجنة إلى آدم كناية عن نهيه عن طاعته أو عن الغفلة عن كيده والاستهانة بمكره أي لا تطعه أو لا تغفل عن كيده وتسويله حتى يتسلط عليكما ويقوى على إخراجكما من الجنة وإشقائكما.
وقد ذكر الإمام الرازي في تفسيره وجوها لسبب عداوة إبليس لآدم وزوجه وهي وجوه سخيفة لا فائدة في الإطناب بنقلها ، والحق أن السبب فيها هو طرده من حضرة القرب ورجمه وجعل اللعن عليه إلى يوم القيامة كما يظهر من قوله لعنه الله على ما حكاه الله:"قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين": الحجر: 39.
وقوله:"قال أ رأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا:"الإسراء: 62 ، ومعلوم أن تكريم آدم عليه هو تكريم نوع الإنسان عليه كما أن أمره بالسجدة له كان أمرا بالسجدة لنوع الإنسان فأصل السبب هو تقدم الإنسان وتأخر الشيطان ثم الطرد واللعن.
وقوله:"فتشقى"تفريع على خروجهما من الجنة والمراد بالشقاء التعب أي فتتعب إن خرجتما من الجنة وعشتما في غيرها وهو الأرض عيشة أرضية لتهاجم الحوائج وسعيك في رفعها كالحاجة إلى الطعام والشراب واللباس والمسكن وغيرها.
والدليل على أن المراد بالشقاء التعب الآيتان التاليتان المشيرتان إلى تفسيره:"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى".
وهو أيضا دليل على أن النهي إرشادي ليس في مخالفته إلا الوقوع في المفسدة المترتبة على نفس الفعل وهو تعب السعي في رفع حوائج الحياة واكتساب ما يعاش به وليس بمولوي تكون نفس مخالفته مفسدة يقع فيها العبد وتستتبع مؤاخذة أخروية.
على أنك عرفت أنه عهد قبل تشريع أصل الدين الواقع عند الأمر بالخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض.
وأما إفراد قوله:"فتشقى"ولم يقل فتشقيا بصيغة التثنية فلأن العهد إنما نزل على آدم (عليه السلام) وكان التكليم متوجها إليه ، ولذلك جيء بصيغة الإفراد في جميع ما يرجع إليه كقوله:"فنسي ولم نجد له عزما""فتشقى""ألا تجوع فيها ولا تعرى""لا تظمؤا فيها ولا تضحى""فوسوس إليه"إلخ"و عصى"إلخ"ثم اجتباه ربه فتاب عليه"نعم جيء بلفظ التثنية فيما لا غنى عنه كقوله:"عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما""فأكلا منها فبدت لهما""و طفقا يخصفان عليهما""قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو"فتدبر وقيل إن إفراد:"تشقى"من جهة أن نفقة المرأة على المرء ولذا نسب الشقاء وهو التعب في اكتساب المعاش إلى آدم وفيه.
أن الآيتين التاليتين لا تلائمان ذلك ولو كان كما قال لقيل: إن لكما أن لا تجوعا إلخ ، وقيل: إن الإفراد لرعاية الفواصل وهو كما ترى.
قوله تعالى:"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى"يقال: ضحى يضحى كسعى يسعى ضحوا وضحيا إذا أصابته الشمس أو برز لها وكأن المراد بعدم الضحو أن ليس هناك أثر من حرارة الشمس حتى تمس الحاجة إلى الاكتنان في مسكن يقي من الحر والبرد.
وقد رتبت الأمور الأربعة على نحو اللف والنشر المرتب لرعاية الفواصل والأصل في الترتيب أن لا تجوع فيها ولا تظمأ ولا تعرى ولا تضحى.
قوله تعالى:"فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى"الشيطان هو الشرير لقب به إبليس لشرارته ، والمراد بشجرة الخلد الشجرة المنهية والبلى صيرورة الشيء خلقا خلاف الجديد.