فهرس الكتاب

الصفحة 2928 من 4314

و المراد بشجرة الخلد شجرة يعطي أكلها خلود الحياة ، والمراد بملك لا يبلى سلطنة لا تتأثر عن مرور الدهور واصطكاك المزاحمات والموانع فيئول المعنى إلى نحو قولنا هل أدلك على شجرة ترزق بأكل ثمرتها حياة خالدة وملكا دائما فليس قوله:"لا يبلى"تكرارا لإفادة التأكيد كما قيل.

والدليل على ما ذكره ما في سورة الأعراف في هذا المعنى من قوله:"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين:"الأعراف: 20"ولا منافاة بين جمع خلود الحياة ودوام الملك هاهنا بواو الجمع وبين الترديد بينهما في سورة الأعراف لإمكان أن يكون الترديد هناك لمنع الخلو لا لمنع الجمع ، أو يكون الجمع هاهنا باعتبار الاتصاف بهما جميعا والترديد هناك باعتبار تعلق النهي كأنه قيل: إن في هذه الشجرة صفتين وإنما نهاكما ربكما عنها إما لهذه ، أو لهذه أو إنما نهاكما ربكما عنها أن لا تخلدا في الجنة مع ملك خالد أو أن لا تخلدا بناء على أن الملك الخالد يستلزم حياة خالدة فافهم ذلك وكيف كان فلا منافاة بين الترديد في آية والجمع في أخرى."

قوله تعالى:"فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة"تقدم تفسيره في سورة الأعراف.

قوله تعالى:"و عصى آدم ربه فغوى"الغي خلاف الرشد الذي هو بمعنى إصابة الواقع وهو غير الضلال الذي هو الخروج من الطريق ، والهدى يقابلهما ويكون بمعنى الإرشاد إذا قابل الغي كما في الآية التالية وبمعنى إراءة الطريق ، أو الإيصال إلى المطلوب بتركيب الطريق إذا قابل الضلال فليس من المرضي تفسير الغي في الآية بمعنى الضلال.

ومعصية آدم - ربه كما أشرنا إليه آنفا وقد تقدم تفصيله - إنما هي معصية أمر إرشادي لا مولوي والأنبياء (عليهم السلام) معصومون من المعصية والمخالفة في أمر يرجع إلى الدين الذي يوحى إليهم من جهة تلقيه فلا يخطئون ، ومن جهة حفظه فلا ينسون ولا يحرفون ، ومن جهة إلقائه إلى الناس وتبليغه لهم قولا فلا يقولون إلا الحق الذي أوحي إليهم وفعلا فلا يخالف فعلهم قولهم ولا يقترفون معصية صغيرة ولا كبيرة لأن في الفعل تبليغا كالقول ، وأما المعصية بمعنى مخالفة الأمر الإرشادي الذي لا داعي فيه إلا إحراز المأمور خيرا أو منفعة من خيرات حياته ومنافعها بانتخاب الطريق الأصلح كما يأمر وينهى المشير الناصح نصحا فإطاعته ومعصيته خارجتان من مجرى أدلة العصمة وهو ظاهر.

وليكن هذا معنى قول القائل إن الأنبياء (عليهم السلام) على عصمتهم يجوز لهم ترك الأولى ومنه أكل آدم (عليه السلام) من الشجرة والآية من معارك الآراء وقد اختلفت فيها التفاسير على حسب اختلاف مذاهبهم في عصمة الأنبياء وكل يجر النار إلى قرصته.

قوله تعالى:"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى"الاجتباء - كما تقدم مرارا - بمعنى الجمع على طريق الاصطفاء ففيه جمعه تعالى عبده لنفسه لا يشاركه فيه أحد وجعله من المخلصين بفتح اللام ، وعلى هذا المعنى يتفرع عليه قوله:"فتاب عليه وهدى"، كأنه كان ذا أجزاء متفرقة متشتتة فجمعها من هنا وهناك إلى مكان واحد ثم تاب عليه ورجع إليه وهداه وسلك به إلى نفسه.

وإنما فسرنا قوله:"هدى"وهو مطلق بهدايته إلى نفسه بقرينة الاجتباء ، ولا ينافي مع ذلك إطلاق الهداية لأن الهداية إليه تعالى أصل كل هداية ومحتدها ، نعم يجب تقييد الهداية بما يكون في أمر الدين من اعتقاد حق وعمل صالح ، والدليل عليه تفريع الهداية في الآية على الاجتباء ، فافهم ذلك.

وعلى هذا فلا يرد على ما قدمنا أن ظاهر وقوع هذه الهداية بعد ذكر تلك الغواية أن يكون نوع تلك الغواية مرفوعا عنه وإذ كانت غواية في أمر إرشادي فالآية تدل على إعطاء العصمة له في موارد الأمر المولوية والإرشادية جميعا وصونه عن الخطإ في أمر الدين والدنيا معا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت