فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 4314

و لفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود ووصف العمل بالرفع ، والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع ، وهما أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه ، ومرتفع من جهة انفصاله من السفل وابتعاده منه ، فالعمل يبعد الإنسان ويفصله من الدنيا والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطيب ، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشكوك ، ومن المعلوم أيضا كما مر: أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات ، فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها.

والكلام في العمل الطالح ووضعه الإنسان نظير الكلام في العمل الصالح ورفعه وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى:"اهدنا الصراط المستقيم": الحمد - 6.

فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل والعلم ، ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما يتلقاه أهل المرتبة والدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها ، فقد تبين أن للقرآن معاني مختلفة مترتبة.

وقد ذكر الله سبحانه أصنافا من عباده وخص كل صنف بنوع من العلم والمعرفة لا يوجد في الصنف الآخر كالمخلصين وخص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم ، قال تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين": الصافات - 160 ، وخص بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى ، وكالموقنين وخص بهم مشاهدة ملكوت السماوات والأرض قال تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام - 75 ، وكالمنيبين وخص بهم التذكر ، قال تعالى:"و ما يتذكر إلا من ينيب": المؤمن - 13 ، وكالعالمين وخص بهم عقل أمثال القرآن ، قال تعالى:"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون": العنكبوت - 43 ، وكأنهم أولوا الألباب والمتدبرون لقوله تعالى:"أ فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها": محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) - 24 ، ولقوله تعالى:"أ فلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا": النساء - 82 ، فإن مؤدى الآيات الثلاث يرجع إلى معنى واحد وهو العلم بمتشابه القرآن ورده إلى محكمه ، وكالمطهرين خصهم الله بعلم تأويل الكتاب قال تعالى:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة - 79 ، وكالأولياء وهم أهل الوله والمحبة لله وخص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شيء إلا الله سبحانه ولذلك لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشيء ، قال تعالى:"ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون": يونس - 62 ، وكالمقربين والمجتبين والصديقين والصالحين والمؤمنين ولكل منهم خواص من العلم والإدراك يختصون بها ، سنبحث عنها في المحال المناسبة لها.

ونظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها ، ولها خواص رديئة في باب العلم والمعرفة ، ولها أصحاب كالكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين وغيرهم ، ولهم أنصباء من سوء الفهم ورداءة الإدراك لآيات الله ومعارفه الحقة ، طوينا ذكرها إيثارا للاختصار ، وسنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب إن شاء الله.

العاشر: أن للقرآن اتساعا من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها فالآية منه لا يختص بمورد نزولها بل يجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكا كالأمثال التي لا تختص بمواردها الأول ، بل تتعداها إلى ما يناسبها ، وهذا المعنى هو المسمى بجري القرآن ، وقد مر بعض الكلام فيه في أوائل الكتاب.

في تفسير العياشي ،: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المحكم والمتشابه قال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله.

أقول: وفيه تلويح إلى أن المتشابه مما يمكن العلم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت