الثالث: أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون وهم راسخون في العلم.
الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها ، وهذا المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثاني من كون معارفه أمثالا وقد أوضحناه فيما مر.
الخامس: أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات ، كما أن من الواجب أن يشتمل على المحكمات.
السادس: أن المحكمات أم الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان.
السابع: أن الإحكام والتشابه وصفان يقبلان الإضافة والاختلاف بالجهات بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة ، متشابهة من جهة أخرى فتكون محكمة بالإضافة إلى آية ومتشابهة بالإضافة إلى أخرى.
ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن ، ولا مانع من وجود محكم على الإطلاق.
الثامن: أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضا.
التاسع: أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى ، مترتبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ، أو مثل عموم المجاز ، ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد ، بل هي معان مطابقية يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام.
ولتوضيح ذلك نقول: قال الله تبارك وتعالى:"اتقوا الله حق تقاته": آل عمران - 102 ، فأنبأ أن للتقوى الذي هو الانتهاء عما نهى الله عنه والايتمار بما أمر الله به مرتبة هي حق التقوى ، ويعلم بذلك أن هناك من التقوى ما هو دون هذه المرتبة الحقة ، فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب ودرجات بعضها فوق بعض.
وقال أيضا:"أ فمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأويه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون": آل عمران - 163 ، فبين أن العمل مطلقا سواء كان صالحا أو طالحا درجات ومراتب ، والدليل على أن المراد بها درجات العمل قوله: والله بصير بما يعملون ، ونظير الآية قوله تعالى:"و لكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون": الأحقاف - 19 ، وقوله تعالى:"و لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون": الأنعام - 132 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة ، وفيها ما يدل على أن درجات الجنة ودركات النار بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها.
ومن المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه ، وقد استدل تعالى على كفر اليهود وعلى فساد ضمير المشركين وعلى نفاق المنافقين من المسلمين وعلى إيمان عدة من الأنبياء والمؤمنين بأعمالهم وأفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها ، فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم ويدل عليه.
وبالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصله ويركزه في النفس كما قال تعالى:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين": العنكبوت - 69 ، وقال تعالى:"و اعبد ربك حتى يأتيك اليقين": الحجر - 99 ، وقال أيضا:"ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون": الروم - 10 ، وقال:"فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون": البراءة - 77 ، والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات وهي العلوم المخالفة للحق ما يناسبه.
وقال تعالى - وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع -:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر - 10 ، فبين أن شأن الكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى ويقرب صاحبه منه ، وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد.
ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسيم القلب فيه وفي غيره وهو مطلق الشرك فكلما كمل خلوصه من الشك والخطوات اشتد صعوده وارتفاعه.