فهرس الكتاب

الصفحة 1263 من 4314

و قد علق رضاه بهم أنفسهم لا بأعمالهم كما في قوله تعالى:"و رضي له قولا":"طه: 190"وقوله:"و إن تشكروا يرضه لكم":"الزمر: 7"وبين القسمين من الرضى فرق فإن رضاك عن شيء هو أن لا تدفعه بكراهة ومن الممكن أن يأتي عدوك بفعل ترضاه وأنت تسخط على نفسه ، وأن يأتي صديقك الذي تحبه بفعل لا ترضاه.

فقوله:"رضي الله عنهم"يدل على أن الله يرضى عن أنفسهم ، ومن المعلوم أن الرضى لا يتعلق بأنفسهم ما لم يحصل غرضه جل ذكره من خلقهم ، وقد قال تعالى:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون":"الذاريات: 56"، فالعبودية هو الغرض الإلهي من خلق الإنسان فالله سبحانه إنما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالا للعبودية أي أن يكون نفسه نفس عبد لله الذي هو رب كل شيء فلا يرى نفسه ولا شيئا غيره إلا مملوكا لله خاضعا لربوبيته لا يئوب إلا إلى ربه ولا يرجع إلا إليه كما قال تعالى في سليمان وأيوب:"نعم العبد إنه أواب":"ص: 44"وهذا هو الرضى عنه.

وهذا من مقامات العبودية ، ولازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه وعن الاتصاف بالفسق كما قال تعالى:"و لا يرضى لعباده الكفر":"الزمر: 7"وقال تعالى:"فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين":"التوبة: 96".

ومن آثار هذا المقام أن العبودية إذا تمكنت من نفس العبد ورأى ما يقع عليه بصره وتبلغه بصيرته مملوكا لله خاضعا لأمره فإنه يرضى عن الله فإنه يجد أن كل ما آتاه الله فإنما آتاه من فضله من غير أن يتحتم عليه فهو جود ونعمة ، وأن ما منعه فإنما منعه عن حكمة.

على أن الله سبحانه يذكر عنهم وهم في الجنة بقوله:"لهم فيها ما يشاءون":"النحل: 31 ، الفرقان: 16"، ومن المعلوم أن الإنسان إذا وجد كل ما يشاؤه لم يكن له إلا أن يرضى.

وهذا غاية السعادة الإنسانية بما هو عبد ، ولذلك ختم الكلام بقوله:"ذلك الفوز العظيم".

قوله تعالى:"لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير"، - الملك - بالكسر - سلطة خاصة على رقبة الأشياء وأثره نفوذ الإرادة فيما يقدر عليه المالك من التصرف فيها ، والملك - بالضم - سلطة خاصة على النظام الموجود بين الأشياء وأثره نفوذ الإرادة فيما يقدر عليه ، وبعبارة ساذجة: الملك - بالكسر - متعلق بالفرد ، والملك - بالضم - متعلق بالجماعة.

وحيث كان الملك في نفوذ الإرادة بالفعل مقيدا أو متقوما بالقدرة فإذا تمت القدرة وأطلقت كان الملك ملكا مطلقا غير مقيد بشيء دون شيء وحال دون حال ، ولبيان هذه النكتة عقب تعالى قوله:"لله ملك السماوات والأرض وما فيهن"بقوله:"و هو على كل شيء قدير".

واختتمت السورة بهذه الآية الدالة على الملك المطلق ، والمناسبة ظاهرة ، فإن غرض السورة هو حث العباد وترغيبهم على الوفاء بالعهود والمواثيق المأخوذة عليهم من جانب ربهم ، وهو الملك على الإطلاق فلا يبقى لهم إلا أنهم عباد مملوكون على الإطلاق ليس لهم فيما يأمرهم به وينهاهم عنه إلا السمع والطاعة ، ولا فيما يأخذ منهم من العهود والمواثيق إلا الوفاء بها من غير نقض.

في تفسير العياشي ، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قول الله تبارك وتعالى لعيسى:"أ أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"قال: لم يقله وسيقوله ، إن الله إذا علم أن شيئا كائن أخبر عنه خبر ما قد كان.

أقول: وفيه ، أيضا عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) : مثله ، وحاصله أن الإتيان بصيغة الماضي في الأمر المستقبل للعلم بتحقق وقوعه ، وهو شائع في اللغة.

وفيه ، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) : في تفسير هذه الآية:"تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك - إنك أنت علام الغيوب"، قال: إن اسم الله الأكبر ثلاثة وسبعون حرفا فاحتجب الرب تبارك وتعالى منها بحرف فمن ثم لا يعلم أحد ما في نفسه عز وجل. أعطى آدم اثنين وسبعين حرفا فتوارثها الأنبياء حتى صار إلى عيسى (عليه السلام) فذلك قول عيسى:"تعلم ما في نفسي"يعني اثنين وسبعين حرفا من الاسم الأكبر يقول: أنت علمتنيها فأنت تعلمها:"و لا أعلم ما في نفسك"يقول: لأنك احتجبت بذلك الحرف فلا يعلم أحد ما في نفسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت