أقول: سيجيء البحث المبسوط عن أسماء الله الحسنى واسمه الأعظم الأكبر في تفسير قوله تعالى:"و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها"الآية:"الأعراف: 108"ويتبين هناك أن الاسم الأكبر أو الاسم الأعظم ليس من نوع اللفظ حتى يتألف من حروف الهجاء وإنما المراد بالاسم في أمثال هذه الموارد هو المحكي عنه بالاسم اللفظي وهو الذات مأخوذا بصفة من صفاته ووجه من وجوهه ويعود الاسم اللفظي حينئذ اسم الاسم على ما سيتضح بعد.
وعلى هذا فقوله (عليه السلام) :"إن الاسم الأكبر مؤلف من ثلاثة وسبعين حرفا"ونظيره ما ورد في روايات كثيرة في هذا الباب من أن الاسم الأعظم مؤلف من كذا حرفا ، وأنها متفرقة مبثوثة في كذا سورة أو أنه في كذا آية كل ذلك بيانات مبنية على الرمز ، وأمثال مضروبة لتفهيم ما يسع تفهيمه من الحقائق فما كل حقيقة ميسورا بيانها بالصراحة من غير كناية وبالعين دون المثل.
والذي يتضح به معنى الحديث بعض الاتضاح هو أن يقال: إنه لا شك أن أسماء الله تعالى الحسنى وسائط لظهور الكون بأعيانه وحدوث حوادثه التي لا تحصى ، فإنا لا نشك في أن الله سبحانه خلق خلقه لأنه خالق جواد مبدىء مثلا لا لأنه منتقم شديد البطش ، وأنه إنما يرزق من يرزق لأنه رازق معط مثلا لا لأنه قابض مانع ، وأنه إنما يفيض الحياة للأحياء لأنه الحي المحيي لا لأنه مميت معيد ، والآيات القرآنية أصدق شاهد على هذه الحقيقة ، فإنا نرى المعارف المبينة في متون الآيات معللة بالأسماء المناسبة لمعانيها في ذيلها فربما اختتمت الآية لبيان ما تضمه من المعنى باسم ، وربما اختتمت باسمين يفيدان بمجموعهما المعنى المذكور فيها.
ومن هنا يظهر أن الواحد منا لو رزق علم الأسماء وعلم الروابط التي بينها وبين الأشياء وما تقضيه أسماؤه تعالى مفردة ومؤلفة علم النظام الكوني بما جرى وبما يجري عليه عن قوانين كلية منطبقة على جزئياتها واحدا بعد واحد.
وقد بين القرآن الشريف على ما يفهم من ظواهره قوانين عامة كثيرة في المبدإ والمعاد وما رتبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:"و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء".
لكنها جميعا قوانين كلية ضرورية إلا أنها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم ، وإذا كانت هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته فمن البين أن فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدى نفسه ، ولا يغلبه في ذاته فهو سبحانه القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهي إليه تعالى من كل جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره ، فافهم ذلك.
فمن المحال أن يكون العقل الذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو تكون الحقائق التي إنما وجدت أحكامها وآثارها به تعالى ، حاكمة عليه تعالى مقتضية فيه بالحكم والاقتضاء اللذين هو المبقي لهما القاهر الغالب عليهما ، وبعبارة أخرى: ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنما هو أثر التمليك الذي ملكه الله إياها ، ولا معنى لأن يملك شيء بالملك الذي ملكه الله بعينه منه تعالى شيئا فهو تعالى مالك على الإطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلا.
فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أي فعل أراد لم يكن عليه ضير ، ولا منعه مانع من عقل أو خارج إلا أنه تعالى وعدنا وأوعدنا بالسعادة والشقاء وحسن الجزاء وسوء الجزاء ، وأخبرنا أنه لا يخلف الميعاد وأخبرنا من طريق الوحي أو العقل بأمور ثم ذكر أنه لا يقول إلا الحق فسكنت نفوسنا به واطمأنت قلوبنا إليه بما لا طريق للريب إليه ، قال تعالى:"إن الله لا يخلف الميعاد":"آل عمران: 9 ، الرعد: 31"وقال تعالى:"و الحق أقول":"ص: 84"وفي معناهما الضرورة العقلية في أحكامها.