فهرس الكتاب

الصفحة 2587 من 4314

16 سورة النحل - 106 - 111

مَن كفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلا مَنْ أُكرِهَ وَقَلْبُهُ مُطمَئنّ بِالايمَنِ وَلَكِن مّن شرَحَ بِالْكُفْرِ صدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِك بِأَنّهُمُ استَحَبّوا الْحَيَوةَ الدّنْيَا عَلى الاَخِرَةِ وَأَنّ اللّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكفِرِينَ (107) أُولَئك الّذِينَ طبَعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسمْعِهِمْ وَأَبْصرِهِمْ وَأُولَئك هُمُ الْغَفِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنّهُمْ في الاَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ (109) ثُمّ إِنّ رَبّك لِلّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمّ جَهَدُوا وَصبرُوا إِنّ رَبّك مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رّحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتى كلّ نَفْسٍ تجَدِلُ عَن نّفْسِهَا وَتُوَفى كلّ نَفْسٍ مّا عَمِلَت وَهُمْ لا يُظلَمُونَ (111)

في الآيات وعيد على الكفر بعد الإيمان وهو الارتداد ووعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا المجاهدين الصابرين في الله ، وفيها تعرض لحكم التقية.

قوله تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره"الاطمئنان السكون والاستقرار ، والشرح البسط ، قال في المفردات: أصل الشرح بسط اللحم ونحوه ، يقال: شرحت اللحم وشرحته ، ومنه شرح الصدر أي بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه ، قال تعالى:"رب اشرح لي صدري""أ لم نشرح لك صدرك""أ فمن شرح الله صدره"وشرح المشكل من الكلام بسطه وإظهار ما يخفى من معانيه.

انتهى.

وقوله:"من كفر بالله من بعد إيمانه"شرط جوابه قوله:"فعليهم غضب من الله"وعطف عليه قوله:"و لهم عذاب عظيم"وضمير الجمع في الجزاء عائد إلى اسم الشرط"من"لكونه بحسب المعنى كليا ذا أفراد.

وقوله:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"استثناء من عموم الشرط والمراد بالإكراه الإجبار على كلمة الكفر والتظاهر به فإن القلب لا يقبل الإكراه والمراد أستثني من أكره على الكفر بعد الإيمان فكفر في الظاهر وقلبه مطمئن بالإيمان.

وقوله:"و لكن من شرح بالكفر صدرا"أي بسط صدره للكفر فقبله قبول رضى ووعاه ، والجملة استدراك من الاستثناء فيعود إلى معنى المستثنى منه فإن المعنى ما أريد بقولي:"من كفر بالله من بعد إيمانه"من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن أريد به من شرح بالكفر صدرا ، وفي مجموع الاستثناء والاستدراك بيان كامل للشرط ، وهذه هي النكتة لاعتراض الاستثناء بين الشرط والجزاء وعدم تأخيره إلى أن تتم الشرطية.

وقيل: قوله:"من كفر"بدل من"الذين لا يؤمنون بآيات الله"في الآية السابقة ، وقوله:"و أولئك هم الكاذبون"جملة معترضة ، وقوله:"إلا من أكره"استثناء من ذلك وقوله:"و لكن من شرح"مبتدأ خبره أو القائم مقام خبره قوله:"فعليهم غضب من الله".

والمعنى - على هذا - إنما يفتري الكذب الذين كفروا من بعد إيمانهم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وعند ذلك تم الكلام ثم بدأ فقال: ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله.

والذوق السليم يكفي مئونة هذا الوجه على ما به من السخافة.

قوله تعالى:"ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين"بيان لسبب حلول غضب الله بهم وثبوت العذاب العظيم عليهم وهو أنهم اختاروا الحياة الدنيا وهي الحياة المادية التي لا غاية لها إلا التمتع الحيواني والاشتغال بمشتهيات النفس على الآخرة التي هي حياة دائمة مؤبدة في جوار رب العالمين وهي غاية الحياة الإنسانية.

وبعبارة أخرى هؤلاء لم يريدوا إلا الدنيا وانقطعوا عن الآخرة وكفروا بها والله لا يهدي القوم الكافرين وإذ لم يهدهم الله ضلوا عن طريق السعادة والجنة والرضوان فوقعوا في غضب من الله وعذاب عظيم.

قوله تعالى:"أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون"إشارة إلى أن اختيار الحياة الدنيا على الآخرة والحرمان من هداية الله سبحانه هو الوصف الذي يوصف به الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم والذين يسمون غافلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت