فهرس الكتاب

الصفحة 2693 من 4314

و قد وصف سبحانه مقامه بأنه محمود وأطلق القول من غير تقييد وهو يفيد أنه مقام يحمده الكل ولا يثني عليه الكل إلا إذا استحسنه الكل وانتفع به الجميع ولذا فسروا المقام المحمود بأنه المقام الذي يحمده عليه جميع الخلائق وهو مقام الشفاعة الكبرى له (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة وقد اتفقت على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

قوله تعالى:"و قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا"المدخل بضم الميم وفتح الخاء مصدر ميمي بمعنى الإدخال ونظيره المخرج بمعنى الإخراج ، والعناية في إضافة الإدخال والإخراج إلى الصدق أن يكون الدخول والخروج في كل أمر منعوتا بالصدق جاريا على الحقيقة من غير أن يخالف ظاهره باطنه أو يضاد بعض أجزائه بعضا كأن يدعو الإنسان بلسانه إلى الله وهو يريد بقلبه أن يسود الناس أو يخلص في بعض دعوته لله ويشرك في بعضها غيره.

وبالجملة هو أن يرى الصدق في كل مدخل منه ومخرج ويستوعب وجوده فيقول ما يفعل ويفعل ما يقول ولا يقول ولا يفعل إلا ما يراه ويعتقد به ، وهذا مقام الصديقين.

ويرجع المعنى إلى نحو قولنا: اللهم تول أمري كما تتولى أمر الصديقين.

وقوله:"و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا"أي سلطنة بنصرتي على ما أهم به من الأمور وأشتغل به من الأعمال فلا أغلب في دعوتي بحجة باطلة ، ولا أفتتن بفتنة أو مكر يمكرني به أعداؤك ولا أضل بنزغ شيطان ووسوسته.

والآية - كما ترى - مطلقة تأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسأل ربه أن يتولى أمره في كل مدخل ومخرج بالصدق ويجعل له سلطانا من عنده ينصره فلا يزيغ في حق ولا يظهر بباطل فلا وجه لما ذكره بعض المفسرين أن المراد بالدخول والخروج دخول المدينة بالهجرة والخروج منها إلى مكة للفتح أو أن المراد بهما دخول القبر بالموت والخروج منه بالبعث.

نعم لما كانت الآية بعد قوله:"و إن كادوا ليفتنونك""و إن كادوا ليستفزونك"وفي سياقهما ، لوحت إلى أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يلتجىء إلى ربه في كل أمر يهم به أو يشتغل به من أمور الدعوة ، وفي الدخول والخروج في كل مكان يسكنه أو يدخله أو يخرج منه وهو ظاهر.

قوله تعالى:"و قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"قال في المجمع ،: الزهوق هو الهلاك والبطلان يقال: زهقت نفسه إذا خرجت فكأنها قد خرجت إلى الهلاك.

انتهى والمعنى ظاهر.

وفي الآية أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بإعلام ظهور الحق وهو لوقوع الآية في سياق ما مر من قوله:"و إن كادوا ليفتنونك"إلى آخر الآيات أمر بإياس المشركين من نفسه وتنبيههم أن يوقنوا أن لا مطمع لهم فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفي الآية دلالة على أن الباطل لا دوام له كما قال تعالى في موضع آخر:"و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار": إبراهيم: 26.

في المجمع ،: في سبب نزول قوله تعالى:"و إن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك"الآيات أنهم قالوا له: كف عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان حتى نجالسك ونسمع منك فطمع في إسلامهم فنزلت الآية: أقول: وروي في الدر المنثور ، عن ابن أبي حاتم عن سعيد بن نفير ما يقرب منه: .

وأما ما روي عن ابن عباس: أن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من قريش أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: تعال فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشتد عليه فراق قومه ويحب إسلامهم فرق لهم فأنزل الله:"و إن كادوا ليفتنونك إلى قوله نصيرا"فلا يلائم ظاهر الآيات حيث تنفي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقارب الركون فضلا عن الركون.

وكذا ما رواه الطبري وابن مردويه عن ابن عباس: أن ثقيفا قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : أجلنا سنة حتى يهدي لآلهتنا فإذا قبضنا الذي يهدي للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهم أن يؤجلهم فنزلت:"و إن كادوا ليفتنونك"الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت