و كل واحد من هؤلاء الخمسة صاحب شرع وكتاب ، قال تعالى:"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى:"الشورى - 13 ، وقال تعالى:"إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى:"الأعلى - 19 ، وقال تعالى:"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى يحكم بها النبيون ، إلى أن قال:"و قفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور - إلى أن قال - وأنزلنا إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم:"المائدة - 48."
والآيات تبين أن لهم شرائع وأن لإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كتبا ، وأما كتاب نوح فقد عرفت أن الآية أعني قوله تعالى: كان الناس أمة واحدة"إلخ"، بانضمامه إلى قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية تدل عليه ، وهذا الذي ذكرناه لا ينافي نزول الكتاب على داود (عليه السلام) ، قال تعالى:"و آتينا داود زبورا:"النساء - 163 ، ولا ما في الروايات من نسبة كتب إلى آدم ، وشيث ، وإدريس ، فإنها كتب لا تشتمل على الأحكام والشرائع.
واعلم أن من لوازم النبوة الوحي وهو نوع تكليم إلهي تتوقف عليه النبوة قال تعالى:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده:"النساء - 163 ، وسيجيء استيفاء البحث عن معناه في سورة الشورى إن شاء الله.
في المجمع ، عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: كان الناس قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله لا مهتدين ولا ضالين فبعث الله النبيين.
وفي تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) في الآية قال: وكان ذلك قبل نوح فقيل: فعلى هدى كانوا؟ قال بل كانوا ضلالا ، وذلك أنه لما انقرض آدم وصالح ذريته ، وبقي شيث وصيه لا يقدر على إظهار دين الله الذي كان عليه آدم وصالح ذريته وذلك أن قابيل كان يواعده بالقتل كما قتل أخاه هابيل ، فصار فيهم بالتقية والكتمان فازدادوا كل يوم ضلالة حتى لم يبق على الأرض معهم إلا من هو سلف ، ولحق الوصي بجزيرة من البحر ليعبد الله فبدا لله تبارك وتعالى أن يبعث الرسل ، ولو سئل هؤلاء الجهال لقالوا قد فرغ من الأمر ، وكذبوا ، إنما هو شيء يحكم الله في كل عام ثم قرأ: فيها يفرق كل أمر حكيم ، فيحكم الله تبارك وتعالى: ما يكون في تلك السنة من شدة أو رخاء أو مطر أو غير ذلك ، قلت أ فضلالا كانوا قبل النبيين أم على هدى؟ قال: لم يكونوا على هدى ، كانوا على فطرة الله التي فطرهم عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله ، أ ما تسمع بقول إبراهيم: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين أي ناسيا للميثاق.
أقول: قوله: لم يكونوا على هدى كانوا على فطرة الله ، يفسر معنى كونهم ضلالا المذكور في أول الحديث ، وأنهم إنما خلوا عن الهداية التفصيلية إلى المعارف الإلهية ، وأما الهداية الإجمالية فهي تجامع الضلال بمعنى الجهل بالتفاصيل كما يشير إليه قوله (عليه السلام) في رواية المجمع ، المنقولة آنفا: على فطرة الله لا مهتدين ولا ضلالا.
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أي ناسيا للميثاق ، تفسير للضلال فالهداية هي ذكر الميثاق حقيقة كما في الكمل من المؤمنين أو الجري على حال من هو ذاكر للميثاق وإن لم يكن ذاكرا له حقيقة وهو حال سائر المؤمنين ولا يخلو إطلاق الهداية عليه من عناية.