23 سورة المؤمنون - 78 - 98
وَهُوَ الّذِى أَنشأَ لَكمُ السمْعَ وَالأَبْصرَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مّا تَشكُرُونَ (78) وَهُوَ الّذِى ذَرَأَكمْ في الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تحْشرُونَ (79) وَهُوَ الّذِى يحْىِ وَيُمِيت وَلَهُ اخْتِلَف الّيْلِ وَالنّهَارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوّلُونَ (81) قَالُوا أَ ءِذَا مِتْنَا وَكنّا تُرَابًا وَعِظمًا أَ ءِنّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسطِيرُ الأَوّلِينَ (83) قُل لِّمَنِ الأَرْض وَمَن فِيهَا إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سيَقُولُونَ للّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكّرُونَ (85) قُلْ مَن رّب السمَوَتِ السبْع وَرَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سيَقُولُونَ للّهِ قُلْ أَ فَلا تَتّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوت كلِّ شىْءٍ وَهُوَ يجِيرُ وَلا يجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سيَقُولُونَ للّهِ قُلْ فَأَنى تُسحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنّهُمْ لَكَذِبُونَ (90) مَا اتخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لّذَهَب كلّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضهُمْ عَلى بَعْضٍ سبْحَنَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ (91) عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشهَدَةِ فَتَعَلى عَمّا يُشرِكونَ (92) قُل رّب إِمّا تُرِيَنى مَا يُوعَدُونَ (93) رَب فَلا تجْعَلْنى في الْقَوْمِ الظلِمِينَ (94) وَإِنّا عَلى أَن نّرِيَك مَا نَعِدُهُمْ لَقَدِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالّتى هِىَ أَحْسنُ السيِّئَةَ نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُل رّب أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزَتِ الشيَطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِك رَب أَن يحْضرُونِ (98)
لما أوعدهم بعذاب شديد لا مرد له ولا مخلص منه ، ورد عليهم كل عذر يمكنهم أن يعتذروا به ، وبين أن السبب الوحيد لكفرهم بالله واليوم الآخر هو اتباع الهوى وكراهة اتباع الحق ، تمم البيان بإقامة الحجة على توحده في الربوبية وعلى رجوع الخلق إليه بذكر آيات بينة لا سبيل للإنكار إليها.
وعقب ذلك بأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعيذ به من أن يشمله العذاب الذي أوعدوا به ، وأن يعوذ به من همزات الشيطان وأن يحضروه كما فعلوا بهم.
قوله تعالى: وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون"افتتح سبحانه من نعمه التي أنعمها عليهم بذكر إنشاء السمع والبصر وهما نعمتان خص بهما جنس الحيوان خلقتا فيه إنشاء وإبداعا لا عن مثال سابق إذ لا توجدان في الأنواع البسيطة التي قبل الحيوان كالنبات والجماد والعناصر."
وبحصول هذين الحسين يقف الوجود المجهز بهما موقفا جديدا ويتسع مجال فعاليته بالنسبة إلى ما هو محروم منهما اتساعا لا يتقدر بقدر فيدرك خيره وشره ونافعه وضاره ويعطي معهما الحركة الإرادية إلى ما يريده وعما يكرهه ، ويستقر في عالم حديث طري فيه مجالي الجمال واللذة والعزة والغلبة والمحبة مما لا خبر عنه فيما قبله.
وإنما اقتصر من الحواس بالسمع والبصر - قيل - لأن الاستدلال يتوقف عليهما ويتم بهما.
ثم ذكر سبحانه الفؤاد والمراد به المبدأ الذي يعقل من الإنسان وهو نعمة خاصة بالإنسان من بين سائر الحيوان ومرحلة حصول الفؤاد مرحلة وجودية جديدة هي أرفع درجة وأعلى منزلة وأوسع مجالا من عالم الحيوان الذي هو عالم الحواس فيتسع به أولا شعاع عمل الحواس مما كان عليه في عامة الحيوان بما لا يتقدر بقدر فإذا الإنسان يدرك بهما ما غاب وما حضر وما مضى وما غبر من أخبار الأشياء وآثارها وأوصافها بعلاج وغير علاج.
ثم يرقى بفؤاده أي بتعقله إلى ما فوق المحسوسات والجزئيات فيتعقل الكليات فيحصل القوانين الكلية ، ويغور متفكرا في العلوم النظرية والمعارف الحقيقية ، وينفذ بسلطان التدبر في أقطار السماوات والأرض.
ففي ذلك كله من عجيب التدبير الإلهي بإنشاء السمع والأبصار والأفئدة ما لا يسع الإنسان أن يستوفي شكره.
وقوله:"قليلا ما تشكرون"فيه بعض العتاب ومعناه تشكرون شكرا قليلا فقوله:"قليلا"وصف للمفعول المطلق قائم مقامه.