فهرس الكتاب

الصفحة 3058 من 4314

قوله تعالى:"و هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون"قال الراغب: الذرأ إظهار الله تعالى ما أبداه يقال: ذرأ الله الخلق أي أوجد أشخاصهم.

وقال: الحشر إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها.

انتهى.

فالمعنى: أنه لما جعلكم ذوي حس وعقل أظهر وجودكم في الأرض متعلقين بها ثم يجمعكم ويرجعكم إلى لقائه.

قوله تعالى:"و هو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أ فلا تعقلون"معنى الآية ظاهر ، وقوله:"و هو الذي يحيي ويميت"مترتب بحسب المعنى على الجملة التي قبله أي لما جعلكم ذوي علم وأظهر وجودكم في الأرض إلى حين حتى تحشروا إليه لزمت ذلك سنة الإحياء والإماتة إذ العلم متوقف على الحياة والحشر متوقف على الموت.

وقوله:"و له اختلاف الليل والنهار"مترتب على ما قبله فإن الحياة ثم الموت لا تتم إلا بمرور الزمان وورود الليل بعد النهار والنهار بعد الليل حتى ينقضي العمر ويحل الأجل المكتوب ، هذا لو أريد باختلاف الليل والنهار وورود الواحد منها بعد الواحد ، ولو أريد به اختلافهما في الطول والقصر كانت فيه إشارة إلى إيجاد فصول السنة الأربعة المتفرعة على طول الليل والنهار وقصرهما وبذلك يتم أمر إرزاق الحيوان وتدبير معاشها كما قال:"و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين": حم السجدة: 10.

فمضامين الآيات الثلاث مترتبة مستتبعة بعضها بعضا فإنشاء السمع والبصر والفؤاد وهو الحس والعقل للإنسان يستتبع حياة متعلقة بالمادة وسكونا في الأرض إلى حين ، ثم الرجوع إلى الله ، وهو يستتبع حياة وموتا ، وذلك يستتبع عمرا متقضيا بانقضاء الزمان ورزقا يرتزق به.

فالآيات الثلاث تتضمن إشارة إلى دور كامل من تدبير أمر الإنسان من حين يخلق إلى أن يرجع إلى ربه ، والله سبحانه هو مالك خلقه فهو مالك تدبير أمره لأن هذا التدبير تدبير تكويني لا يفارق الخلق والإيجاد ولا ينحاز عنه ، وهو نظام الفعل والانفعال الجاري بين الأشياء بما بينها من الروابط المختلفة المجعولة بالتكوين فالله سبحانه هو ربهم المدبر لأمرهم وإليه يحشرون ، وقوله:"أ فلا تعقلون"توبيخ لهم وحث على التنبه فالإيمان.

قوله تعالى:"بل قالوا مثل ما قال الأولون"إضراب عن نفي سابق يدل عليه الاستفهام المتقدم أي لم يعقلوا بل قالوا كذا وكذا.

وفي تشبيه قولهم بقول الأولين إشارة إلى أن تقليد الآباء منعهم عن اتباع الحق وأوقعهم فيما لا يبقى معه للدين جدوى وهو نفي المعاد ، والإخلاص إلى الأرض والانغمار في الماديات سنة جارية فيهم في آخراهم وأولاهم.

قوله تعالى:"قالوا أ ءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أ ءنا لمبعوثون"بيان لقوله:"قالوا"في الآية السابقة والكلام مبني على الاستبعاد.

قوله تعالى:"لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين"الأساطير الأباطيل والأحاديث الخرافية وهي جمع أسطورة كأكاذيب جمع أكذوبة وأعاجيب جمع أعجوبة وإطلاق الأساطير وهو جمع على البعث وهو مفرد بعناية أنه مجموع عدات كل واحد منها أسطورة كالإحياء والجمع والحشر والحساب والجنة والنار وغيرها ، والإشارة بهذا إلى حديث البعث وقوله: من قبل ، متعلق بقوله:"وعدنا"على ما يعطيه سياق الجملة.

والمعنى: أن وعد البعث وعد قديم ليس بحديث نقسم لقد وعدناه من قبل نحن وآباؤنا ليس البعث الموعود إلا أحاديث خرافية وضعها ونظمها الأناسي الأولون في صورة إحياء الأموات وحساب الأعمال والجنة والنار والثواب والعقاب.

والدليل على كونها أساطير أن الأنبياء من قديم الدهر لا يزالون يعدوننا ويخوفوننا بقيام الساعة ولو كان حقا غير خرافي لوقع.

ومن هنا يظهر أولا أن قولهم:"من قبل"لتمهيد الحجة على قولهم بعده"إن هذا إلا أساطير الأولين".

وثانيا: أن الكلام مسوق للترقي فالآية السابقة:"أ ءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أ ءنا لمبعوثون"مبنية على الاستبعاد وهذه الآية متضمنة للإنكار مبنيا على حجة واهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت