قوله تعالى:"قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون"لما ذكر استبعادهم للبعث ثم إنكارهم له شرع في الاحتجاج على إمكانه من طريق الملك والربوبية والسلطنة ، ووجه الكلام إلى الوثنيين المنكرين للبعث وهم معترفون به تعالى بمعنى أنه الموجد للعالم ورب الأرباب والآلهة المعبودون دونه من خلقه ، ولذا أخذ وجوده تعالى مسلما في ضمن الحجة.
فقوله:"قل لمن الأرض ومن فيها"أمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم عن مالك الأرض ومن فيها من أولي العقل من هو؟ ومعلوم أن السؤال إنما هو عن الملك الحقيقي الذي هو قيام وجود شيء بشيء بحيث لا يستقل الشيء المملوك عن مالكه بأي وجه فرض دون الملك الاعتباري الذي وضعناه معاشر المجتمعين لمصلحة الاجتماع وهو يقبل الصحة والفساد ويقع موردا للبيع والشرى ، وذلك لأن الكلام مسوق لإثبات صحة جميع التصرفات التكوينية وملاكها الملك التكويني الحقيقي دون التشريعي الاعتباري.
قوله تعالى:"سيقولون لله قل أ فلا تذكرون"إخبار عن جوابهم وهو أن الأرض ومن فيها مملوكة لله ، ولا مناص لهم عن الاعتراف بكونها لله سبحانه فإن هذا النوع من الملك لا يقوم إلا بالعلة الموجدة لمعلولها حيث يقوم وجود المعلول بها قياما لا يستقل عنها بوجه من الوجوه ، والعلة الموجدة للأرض ومن فيها هو الله سبحانه وحده لا شريك له حتى باعتراف الوثنيين.
وقوله:"قل أ فلا تذكرون"أمر بعد تسجيل الجواب أن يوبخهم على عدم تذكرهم بالحجة الدالة على إمكان البعث ، والمعنى قل لهم فإذا كان الله سبحانه مالك الأرض ومن فيها لم لا تتذكرون أن له - لمكان مالكيته - أن يتصرف في أهلها بالإحياء بعد الإماتة.
قوله تعالى:"قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم"أمره ثانيا أن يسألهم عن رب السماوات السبع ورب العرش العظيم من هو؟.
والمراد بالعرش هو المقام الذي يجتمع فيه أزمة الأمور ويصدر عنه كل تدبير ، وتكرار لفظ الرب في قوله:"و رب العرش العظيم"للإشارة إلى أهمية أمره ورفعة محله كما وصفه الله بالعظمة ، وقد تقدم البحث عنه في تفسير سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب.
ذكروا أن قولنا: لمن السماوات السبع وقولنا: من رب السماوات السبع بمعنى واحد كما يقال: لمن الدار ومن رب الدار فقوله تعالى:"من رب السماوات السبع؟ سؤال عن مالكها ، ولذا حكى الجواب عنهم بقوله:"سيقولون لله"على المعنى ولو أنه أجيب عنه فقيل:"الله"كما في القراءة الأخرى كان جوابا على اللفظ."
وفيه أن الذي ثبت في اللغة أن رب الشيء هو مالكه المدبر لأمره بالتصرف فيه فيكون الربوبية أخص من الملك ، ولو كان الرب مرادفا للمالك لم يستقم ترتب الجواب على السؤال في الآيتين السابقتين"قل لمن الأرض ومن فيها"- إلى قوله - سيقولون لله"إذ كان معنى السؤال: من رب الأرض ومن فيها ، ومن المعلوم أنهم كانوا قائلين بربوبية آلهتهم من دون الله للأرض ومن فيها فكان جوابهم إثبات الربوبية لآلهتهم من غير أن يكونوا ملزمين بتصديق ذلك لله سبحانه وهذا بخلاف السؤال عن مالك الأرض ومن فيها فإن الجواب عنه تصديقه لله لأنهم كانوا يرون الإيجاد لله والملك لازم الإيجاد فكانوا ملزمين بالاعتراف به."
ثم على تقدير كون الرب أخص من المالك يمكن أن يتوهم توجه الإشكال إلى ترتب الجواب على السؤال في الآية المبحوث عنها"قل من رب السماوات السبع - إلى قوله - سيقولون لله"فإن جل الوثنيين من الصابئين وغيرهم يرون للسماوات وما فيها من الشمس والقمر وغيرهما آلهة دون الله فلو أجابوا عن السؤال عن رب السماوات أجابوا بإثبات الربوبية لآلهتهم دون الله فلا يستقيم قوله:"سيقولون لله"إذ لا ملزم يلزمهم على الاعتراف به.
والذي يحسم أصل الإشكال أن البحث العميق عن معتقدات القوم يعطي أنهم لم يكونوا يبنون آراءهم في أمر الآلهة على أصل أو أصول منظمة مسلمة عند الجميع فأمثال الصابئين والبرهمائيين والبوذيين كانوا يقسمون أمور العالم إلى أنواع وأقسام كأمر السماء والأرض وأنواع الحيوان والنبات والبر والبحر وغير ذلك ويثبتون لكل منها إلها دون الله يعبدونه من دون الله ويعدونه شفيعا مقربا ثم يتخذون له صنما يمثله.