قوله تعالى:"قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها"إلخ قال في المجمع ،: البصيرة البينة والدلالة التي يبصر بها الشيء على ما هو به والبصائر جمعها انتهى.
وقيل: البصيرة للقلب كالبصر للعين ، والأصل في الباب على أي حال هو الإدراك بحاسة البصر الذي يعد أقوى الإدراكات ، ونيلا من خارج الشيء المشهود ، والإبصار والعمى في الآية هو العلم والجهل أو الإيمان والكفر توسعا.
وكأنه تعالى يشير بقوله:"قد جاءكم بصائر من ربكم"إلى ما ذكره في الآيات السابقة من الحجج الباهرة على وحدانيته وانتفاء الشريك عنه ، والمعنى أن هذه الحجج بصائر قد جاءتكم من جانب الله بالوحي إلي ، والخطاب من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ذكر للمخاطبين وهم المشركون أنهم على خيرة من أمر أنفسهم إن شاءوا أبصروا بها وإن شاءوا عموا عنها غير أن الإبصار لأنفسهم والعمى عليها.
ومن هنا يظهر أن المراد بالحفظ عليهم رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه فهو إنما ينفي كونه حفيظا عليهم تكوينا وإنما هو ناصح لهم.
والآية كالمعترضة بين الآيات السابقة والآية اللاحقة ، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيه كالرسول يأتي بالرسالة إلى قوم فيؤديها إليهم وفي خلال ما يؤديه يكلمهم من نفسه بما يهيجهم للسمع والطاعة ويحثهم على الانقياد بإظهار النصح ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه.
قوله تعالى:"و كذلك نصرف الآيات وليقولوا درست"إلخ ، وقرىء: دارست بالخطاب ودرست بالتأنيث والغيبة ، قيل: إن التصريف هو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة ، وقوله:"درست"من الدرس وهو التعلم والتعليم من طريق التلاوة ، وعلى هذا المعنى قراءة دارست غير أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأما قراءة"درست"بالتأنيث والغيبة فهو من الدروس بمعنى تعفي الأثر أي اندرست هذه الأقوال كقولهم: أساطير الأولين.
والمعنى: على هذا المثال نصرف الآيات ونحولها بيانا لغايات كثيرة ومنها أن يستكمل هؤلاء الأشقياء شقوتهم فيتهموك يا محمد بأنك تعلمتها من بعض أهل الكتاب أو يقولوا: اندرست هذه الأقاويل وانقرض عهدها ولا نفع فيها اليوم ، ولنبينه لقوم يعلمون بتطهير قلوبهم وشرح صدورهم به ، وهذا كقوله:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا": الإسراء: 82.
في الكافي ، بإسناده عن الفضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله لا يوصف ، وكيف يوصف وقال في كتابه:"و ما قدروا الله حق قدره"فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك.
وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس: في قوله:"و ما قدروا الله حق قدره"قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره ، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره."إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"يعني من بني إسرائيل قالت اليهود: يا محمد أ نزل الله عليك كتابا؟ قال نعم ، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا ، فأنزل الله: قل يا محمد من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى - نورا وهدى للناس إلى قوله ولا آباؤكم قل الله أنزله.
أقول: والمعنى الذي في صدر الرواية تقدم في البيان السابق أنه خلاف ظاهر الآية بل الظاهر أن الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ، هم الذين لم يقدروا الله سبحانه حق قدره.
وفيه ، أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي: في قوله:"إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء"قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شيء.
أقول: واختلاف الحاكي والمحكي يفسد المعنى ، واحتمال النقل بالمعنى مع هذا الاختلاف الفاحش لا مسوغ له.