10 سورة يونس - 26 - 30
لِّلّذِينَ أَحْسنُوا الْحُسنى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَترٌ وَلا ذِلّةٌ أُولَئك أَصحَب الجَْنّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (26) وَالّذِينَ كَسبُوا السيِّئَاتِ جَزَاءُ سيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلّةٌ مّا لهَُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنّمَا أُغْشِيَت وُجُوهُهُمْ قِطعًا مِّنَ الّيْلِ مُظلِمًا أُولَئك أَصحَب النّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (27) وَيَوْمَ نحْشرُهُمْ جَمِيعًا ثمّ نَقُولُ لِلّذِينَ أَشرَكُوا مَكانَكُمْ أَنتُمْ وَشرَكاؤُكمْ فَزَيّلْنَا بَيْنهُمْ وَقَالَ شرَكاؤُهُم مّا كُنتُمْ إِيّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللّهِ شهِيدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِينَ (29) هُنَالِك تَبْلُوا كلّ نَفْسٍ مّا أَسلَفَت وَرُدّوا إِلى اللّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضلّ عَنهُم مّا كانُوا يَفْترُونَ (30)
استئناف يعود فيه إلى ذكر جزاء الأعمال وعود الجميع إلى الله الحق ، وقد تقدم إيماء إلى ذلك ، وفيه إثبات توحيد الربوبية.
قوله تعالى:"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة"إلخ ، الحسنى مؤنث أحسن والمراد المثوبة الحسنى ، والمراد بالزيادة الزيادة على الاستحقاق بناء على أن الله جعل من فضله للعمل مثلا من الجزاء والثواب ثم جعله حقا للعامل في مثل قوله:"لهم أجرهم عند ربهم: آل عمران - 199 ثم ضاعفه وجعل المضاعف منه أيضا حقا للعامل كما في قوله:"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها": الأنعام - 160 وعند ذلك كان مفاد قوله:"للذين أحسنوا الحسنى"استحقاقهم للجزاء والمثوبة الحسنى ، وتكون الزيادة هي الزيادة على مقدار الاستحقاق من المثل أو العشرة الأمثال نظير ما يفيده قوله:"فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله": النساء: - 173."
ولو كان المراد بالحسنى في قوله:"للذين أحسنوا الحسنى"العاقبة الحسنى ، وليس فيما يعقل فوق الحسنى شيء كان معنى قوله:"و زيادة"الزيادة على ما يعقله الإنسان من الفضل الإلهي كما يشير إليه قوله:"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين": الم السجدة - 17 وما في قوله:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد": ق - 35 فإن من المعلوم أن كل أمر حسن يشاؤه الإنسان فالمزيد على ما يشاؤه أمر فوق ما يدركه فافهم ذلك.
والرهق بفتحتين اللحوق والغشيان يقال: رهقه الدين أي لحق به وغشيه ، والقتر الدخان الأسود أو الغبار الأسود ، وفي توصيفهم بقوله:"و لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة"محاذاة لما في الآية التالية من وصف أهل النار بسواد وجوههم بالقتر وهو سواد صوري والذلة وهي سواد معنوي.
والمعنى: للذين أحسنوا في الدنيا المثوبة الحسنى وزيادة من فضل الله - أو العاقبة الحسنى وزيادة لا تخطر ببالهم - ولا يغشى وجوههم سواد من قتر ولا ذلة ، وأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
قوله تعالى:"و الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة"إلى آخر الآية ، جملة"جزاء سيئة بمثلها"مبتدأ لخبر محذوف والتقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها من العذاب ، والجملة خبر للمبتدإ الذي هو قوله:"الذين كسبوا السيئات"والمراد أن الذين كسبوا السيئات لا يجزون إلا مثل ما عملوه من العقوبات السيئة فجزاء فعلة سيئة عقوبة سيئة.
وقوله:"ما لهم من الله من عاصم"أي ما لهم عاصم يعصمهم من الله أي من عذابه وفيه نفي لشركائهم الذين يظنونهم شفعاء على وجه ينفي كل عاصم مانع سواء كان شريكا شفيعا أو ضدا قويا ممانعا أو أي عاصم غيرهما.
وقوله:"كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما"القطع جمع قطعة ومظلما حال من الليل ، والمراد كان الليل المظلم قسم إلى قطع فأغشيت وجوههم تلك القطع فاسودت بالتمام ، والمتبادر منه أن يغشى وجه كل من المشركين بقطعة من تلك القطع لا كما فسره بعضهم أن المراد أن الوجوه أغشيت تلك القطع قطعة بعد قطعة فصارت ظلمات بعضها فوق بعض.
فليس في الكلام ما يدل على ذلك.
وقوله:"أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"يدل على دوام بقائهم في النار للدلالة الصحابة والخلود عليه كما أن نظيره في أصحاب الجنة يدل على نظيره.