رجعنا إلى الآية: قوله:"و إذ أخذ ربك"أي واذكر لأهل الكتاب في تتميم البيان السابق أو واذكر للناس في بيان ما نزلت السورة لأجل بيانه وهو أن لله عهدا على الإنسان وهو سائله عنه وأن أكثر الناس لا يفون به وقد تمت عليهم الحجة.
اذكر لهم موطنا قبل الدنيا أخذ فيه ربك"من بني آدم من ظهورهم ذريتهم"فما من أحد منهم إلا استقل من غيره وتميز منه فاجتمعوا هناك جميعا وهم فرادى فأراهم ذواتهم المتعلقة بربهم"و أشهدهم على أنفسهم"فلم يحتجبوا عنه وعاينوا أنه ربهم كما أن كل شيء بفطرته يجد ربه من نفسه من غير أن يحتجب عنه ، وهو ظاهر الآيات القرآنية كقوله"و إن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم": إسراء: 44.
"أ لست بربكم"وهو خطاب حقيقي لهم لا بيان حال وتكليم إلهي لهم فإنهم يفهمون مما يشاهدون أن الله سبحانه يريد به منهم الاعتراف وإعطاء الموثق ، ولا نعني بالكلام إلا ما يلقى للدلالة به على معنى مراد ، وكذا الكلام في قوله:"قالوا بلى شهدنا".
وقوله:"أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين"الخطاب للمخاطبين بقوله:"أ لست بربكم"القائلين:"بلى شهدنا"فهم هناك يعاينون الإشهاد والتكليم من الله والتكلم بالاعتراف من أنفسهم ، وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة مما عدا المعرفة بالاستدلال ، ثم إذا كان يوم البعث وانطوى بساط الدنيا ، وانمحت هذه الشواغل والحجب عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم ، وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم.
ويحتمل أن يكون الخطاب راجعا إلينا معاشر المخاطبين بالآيات أي إنما فعلنا ببني آدم ذلك حذر أن تقولوا أيها الناس يوم القيامة كذا وكذا ، والأول أقرب ويؤيده قراءة:"أن يقولوا"بلفظ الغيبة.
وقوله:"أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل"هذه حجة الناس إن فرض الإشهاد وأخذ الميثاق من الآباء خاصة دون الذرية كما أن قوله:"أن تقولوا"إلخ حجة الناس إن ترك الجميع فلم يقع إشهاد ولا أخذ ميثاق من أحد منهم.
ومن المعلوم أن لو فرض ترك الإشهاد وأخذ الميثاق في تلك النشأة كان لازمه عدم تحقق المعرفة بالربوبية في هذه النشأة إذ لا حجاب بينهم وبين ربهم في تلك النشأة فلو فرض هناك علم منهم كان ذلك إشهادا وأخذ ميثاق ، وأما هذه النشأة فالعلم فيها من وراء الحجاب وهو المعرفة من طريق الاستدلال.
فلو لم يقع هناك بالنسبة إلى الذرية إشهاد وأخذ ميثاق كان لازمه في هذه النشأة أن لا يكون لهم سبيل إلى معرفة الربوبية فيها أصلا ، وحينئذ لم يقع منهم معصية شرك بل كان ذلك فعل آبائهم ، وليس لهم إلا التبعية العملية لآبائهم والنشوء على شركهم من غير علم فصح لهم أن يقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أ فتهلكنا بما فعل المبطلون.
قوله تعالى:"و كذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون"تفصيل الآيات تفريق بعضها وتمييزه من بعض ليتبين بذلك مدلول كل منها ولا تختلط وجود دلالتها ، وقوله:"و لعلهم يرجعون"عطف على مقدر ، والتقدير: لغايات عالية كذا وكذا ولعلهم يرجعون من الباطل إلى الحق.
في الكافي ، بإسناده عن زرارة عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق ماء عذبا وماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فقال لأصحاب اليمين وهم كالذر يدبون: إلى الجنة ولا أبالي وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي. ثم قال: أ لست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا - أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. الحديث.