فهرس الكتاب

الصفحة 2624 من 4314

و قوله:"عسى ربكم أن يرحمكم"أي بعد البعث الثاني على ما يفيده السياق وهو ترج للرحمة على تقدير أن يتوبوا ويرجعوا إلى الطاعة والإحسان بدليل قوله:"و إن عدتم عدنا"أي وإن تعودوا إلى الإفساد والعلو ، بعد ما رجعتم عنه ورحمكم ربكم نعد إلى العقوبة والنكال ، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ومكانا حابسا لا يستطيعون منه خروجا.

وفي قوله:"عسى ربكم أن يرحمكم"التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة وكأن الوجه فيه الإشارة إلى أن الأصل الذي يقتضيه ربوبيته تعالى أن يرحم عباده إن جروا على ما يقتضيه خلقتهم ويرشد إليه فطرتهم إلا أن ينحرفوا عن خط الخلقة ويخرجوا عن صراط الفطرة ، والإيماء إلى هذه النكتة يوجب ذكر وصف الرب فاحتاج السياق أن يتغير عن التكلم مع الغير إلى الغيبة ثم لما استوفيت النكتة بقوله:"عسى ربكم أن يرحمكم"عاد الكلام إلى ما كان عليه.

في تفسير البرهان ، عن ابن بابويه بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن نوحا إنما سمي عبدا شكورا لأنه كان يقول إذا أمسى وأصبح: اللهم إني أشهدك أنه ما أمسى وأصبح بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك ، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضى وبعد الرضا.

أقول: وروي هذا المعنى بتفاوت يسير بعدة طرق في الكافي وتفسيري القمي ، والعياشي ، .

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي فاطمة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان نوح (عليه السلام) لا يحمل شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا قال: بسم الله والحمد لله فسماه الله عبدا شكورا.

أقول: والروايات لا تنافي ما تقدم من تفسير الشكر بالإخلاص فمن المعلوم أن دعاءه لم يكن إلا عن تحققه بحقيقة ما دعا به ولا ينفك ذلك عن الإخلاص في العبودية.

وفي تفسير البرهان ، عن ابن قولويه بإسناده عن صالح بن سهل عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله عز وجل:"و قضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين"قال: قتل أمير المؤمنين وطعن الحسن بن علي (عليهما السلام) "و لتعلن علوا كبيرا"قال: قتل الحسين (عليه السلام) "فإذا جاء وعد أولاهما"قال: إذا جاء نصر الحسين"بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد - فجاسوا خلال الديار"قوم يبعثهم الله قبل قيام القائم لا يدعون لآل محمد وترا إلا أخذوه"و كان وعدا مفعولا".

أقول: وفي معناها روايات أخرى وهي مسوقة لتطبيق ما يجري في هذه الأمة من الحوادث على ما جرى منها في بني إسرائيل تصديقا لما تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الأمة ستركب ما ركبته بنو إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخله هؤلاء ، وليست الروايات واردة في تفسير الآيات ، ومن شواهد ذلك اختلاف ما فيها من التطبيق.

وأما أصل القصة التي تتضمنها الآيات الكريمة فقد اختلفت الروايات فيها اختلافا عجيبا يسلب عنها التعويل ، ولذلك تركنا إيرادها هاهنا من أرادها فليراجع جوامع الحديث من العامة والخاصة.

وقد نزل على بني إسرائيل منذ استقلوا بالملك والسؤدد نوازل هامة كثيرة فوق اثنتين - على ما يضبطه تاريخهم - يمكن أن ينطبق ما تضمنته هذه الآيات على اثنتين منها لكن الذي هو كالمسلم عندهم أن إحدى هاتين النكايتين اللتين تشير إليهما الآيات هي ما جرى عليهم بيد بخت نصر نبوكدنصر من ملوك بابل قبل الميلاد بستة قرون تقريبا.

وكان ملكا ذا قوة وشوكة من جبابرة عهده ، وكان يحمي بني إسرائيل فعصوه وتمردوا عليه فسار إليهم بجيوش لا قبل لهم بها وحاصر بلادهم ثم فتحها عنوة فخرب البلاد وهدم المسجد الأقصى وأحرق التوراة وكتب الأنبياء وأباد النفوس بالقتل العام ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلة من النساء والذراري وضعفاء الرجال فأسرهم وسيرهم معه إلى بابل فلم يزالوا هناك لا يحميهم حام ولا يدفع عنهم دافع طول زمن حياة بخت نصر وبعده زمانا طويلا حتى قصد الكسرى كورش أحد ملوك الفرس العظام بابل وفتحه تلطف على الأسرى من بني إسرائيل وأذن لهم في الرجوع إلى الأرض المقدسة ، وأعانهم على تعمير الهيكل - المسجد الأقصى - وتجديد الأبنية وأجاز لعزراء أحد كهنتهم أن يكتب لهم التوراة وذلك في نيف وخمسين وأربعمائة سنة قبل الميلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت