قوله تعالى:"إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها"اللام في"لأنفسكم"و"فلها"للاختصاص أي إن كلا من إحسانكم وإساءتكم يختص بأنفسكم دون أن يلحق غيركم ، وهي سنة الله الجارية أن العمل يعود أثره وتبعته إلى صاحبه إن خيرا وإن شرا فهو كقوله:"تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم": البقرة - 141.
فالمقام مقام بيان أن أثر العمل لصاحبه خيرا كان أو شرا ، وليس مقام بيان أن الإحسان ينفع صاحبه والإساءة تضره حتى يقال: وإن أسأتم فعليها كما قيل:"لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت": البقرة: 286.
فلا حاجة إلى ما تكلفه بعضهم أن اللام في قوله:"و إن أسأتم فلها"بمعنى على ، وقول آخرين: إنها بمعنى إلى لأن الإساءة تتعدى بها يقال: أساء إلى فلان ويسيء إليه إساءة ، وقول آخرين: إنها للاستحقاق كقوله:"و لهم عذاب أليم".
وربما أورد على كون اللام للاختصاص بأن الواقع على خلافه فكثيرا ما يتعدى أثر الإحسان إلى غير محسنه وأثر الإساءة إلى غير فاعلها وهو ظاهر.
والجواب عنه أن فيه غفلة عما يراه القرآن الكريم في آثار الأعمال أما آثار الأعمال الأخروية فإنها لا تتعدى صاحبها البتة قال تعالى:"من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون": الروم: 44 ، وأما الآثار الدنيوية فإن الأعمال لا تؤثر أثرا في غير فاعلها إلا أن يشاء الله من ذلك شيئا على سبيل النعمة على الغير أو النقمة أو الابتلاء والامتحان فليس في مقدرة الفاعل أن يوصل أثر فعله إلى الغير دائما إلا أحيانا يريده الله لكن الفاعل يلحقه أثر فعله الحسن أو السيىء دائما من غير تخلف.
فللمحسن نصيب من إحسانه وللمسيء نصيب من إساءته ، قال تعالى:"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8 فأثر الفعل لا يفارق فاعله إلى غيره ، وهذا معنى ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال: ما أحسنتم إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية.
قوله تعالى:"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا"التتبير الإهلاك من التبار بمعنى الهلاك والدمار.
وقوله:"ليسوؤا وجوهكم"من المساءة يقال: ساء زيد فلانا إذا أحزنه وهو على ما قيل متعلق بفعل مقدر محذوف للإيجاز ، واللام للغاية والتقدير بعثناهم ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن والكآبة فيها وبدو آثار الذلة والمسكنة وصغار الاستعباد عليها بما يرتكبونه فيكم من القتل الذريع والسبي والنهب.
وقوله:"و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة"المراد بالمسجد هو المسجد الأقصى - بيت المقدس - ولا يعبأ بما ذكره بعضهم أن المراد به جميع الأرض المقدسة مجازا ، وفي الكلام دلالة أولا أنهم في وعد المرة الأولى أيضا دخلوا المسجد عنوة وإنما لم يذكر قبلا للإيجاز ، وثانيا أن دخولهم المسجد إنما كان للهتك والتخريب ، وثالثا يشعر الكلام بأن هؤلاء المهاجمين المبعوثين لمجازاة بني إسرائيل والانتقام منهم هم الذين بعثوا عليهم أولا.
وقوله:"و ليتبروا ما علوا تتبيرا"أي ليهلكوا الذي غلبوا عليه إهلاكا فيقتلوا النفوس ويحرقوا الأموال ويهدموا الأبنية ويخربوا البلاد ، واحتمل أن يكون ما مصدرية بحذف مضاف وتقدير الكلام: وليتبروا مدة علوهم تتبيرا ، والمعنى الأول أقرب إلى الفهم وأوفق بالسياق.
والمقايسة بين الوعدين أعني قوله:"بعثنا عليكم عبادا لنا"إلخ وقوله:"ليسوؤا وجوهكم"إلخ يعطي أن الثاني كان أشد على بني إسرائيل وأمر وقد كادوا أن يفنوا ويبيدوا فيه عن آخرهم وكفى في ذلك قوله تعالى:"و ليتبروا ما علوا تتبيرا".
والمعنى فإذا جاء وعد المرة الآخرة وهي الثانية من الإفسادتين بعثناهم ليسوئوا وجوهكم بظهور الحزن والكآبة وبدو الذلة والمسكنة وليدخلوا المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة وليهلكوا الذي غلبوا عليه ويفنوا الذي مروا عليه إهلاكا وإفناء.
قوله تعالى:"عسى ربكم أن يرحمكم"وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا"الحصير من الحصر وهو - على ما ذكروه - التضييق والحبس قال تعالى:"و احصروهم": التوبة: 5 أي ضيقوا عليهم."