فهرس الكتاب

الصفحة 3163 من 4314

شروع في ذكر قصص عدة من أقوام الأنبياء الماضين موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب (عليهما السلام) ليظهر أن قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سائرون مسيرهم وسيردون موردهم ، لا يؤمن أكثرهم فيؤاخذهم الله تعالى بعقوبة العاجل والآجل ، والدليل على ذلك ختم كل واحدة من القصص بقوله:"و ما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم"كما ختم به الكلام الحاكي لإعراض قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول السورة ، وليس ذلك إلا لتطبيق القصة على القصة.

كل ذلك ليتسلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يضيق صدره ويعلم أنه ليس بدعا من الرسل ولا المتوقع من قومه غير ما عامل به الأمم الماضون رسلهم ، وفيه تهديد ضمني لقومه ويؤيده تصدير قصة إبراهيم (عليه السلام) بقوله:"و اتل عليهم نبأ إبراهيم".

قوله تعالى:"و إذ نادى ربك موسى"- إلى قوله - أ لا يتقون"أي واذكر وقتا نادى فيه ربك موسى وبعثه بالرسالة إلى قوم فرعون لإنجاء بني إسرائيل على ما فصله في سورة طه وغيرها."

وقوله:"أن ائت القوم الظالمين"نوع تفسير للنداء ، وتوصيفهم أولا بالظالمين ثم بيانه ثانيا بقوم فرعون للإشارة إلى حكمة الإرسال وهي ظلمهم بالشرك وتعذيب بني إسرائيل كما في سورة طه من قوله:"اذهبا إلى فرعون إنه طغى إلى أن قال فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم": طه: 47.

وقوله:"أ لا يتقون"بصيغة الغيبة ، وهو توبيخ غيابي منه تعالى لهم وإيراده في مقام عقد الرسالة لموسى (عليه السلام) في معنى قولنا: قل لهم إن ربي يوبخكم على ترك التقوى ويقول: أ لا تتقون.

قوله تعالى:"قال رب إني أخاف أن يكذبون"- إلى قوله - فأرسل إلى هارون"، قال في مجمع البيان: ، الخوف انزعاج النفس بتوقع الضر ونقيضه الأمن وهو سكون النفس إلى خلوص النفع ، انتهى."

وأكثر ما يطلق الخوف على إحساس الشر بحيث يؤدي إلى الاتقاء عملا وإن لم تضطرب النفس ، والخشية على تأثر النفس من توقع الشر بحيث يورث الاضطراب والقلق ، ولذا نفى الله الخشية من غيره عن أنبيائه وربما أثبت الخوف فقال:"و لا يخشون أحدا إلا الله": الأحزاب: 39 ، وقال:"و إما تخافن منهم خيانة": الأنفال: 58.

وقوله:"إني أخاف أن يكذبون"أي ينسبني قوم فرعون إلى الكذب ، وقوله:"و يضيق صدري ولا ينطلق لساني"الفعلان مرفوعان وهما معطوفان على قوله:"أخاف"فالذي اعتل به أمور ثلاثة: خوف التكذيب وضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان ، وفي قراءة يعقوب وغيره يضيق وينطلق بالنصب عطفا على"يكذبون"وهو أوفق بطبع المعنى ، وعليه فالعلة واحدة وهي خوف التكذيب الذي يترتب عليه ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان.

ويطابق ما سيجيء من آية القصص من ذكر علة واحدة هي خوف التكذيب.

وقوله:"فأرسل إلى هارون"أي أرسل ملك الوحي إلى هارون ليكون معينا لي على تبليغ الرسالة يقال لمن نزلت به نائبة أو أشكل عليه أمر: أرسل إلى فلان أي استمد منه واتخذه عونا لك.

فالجملة أعني قوله:"فأرسل إلى هارون"متفرعة على قوله:"إني أخاف"إلخ ، وذكر خوف التكذيب مع ما معه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان توطئة وتقدمة لذكرها وسؤال موهبة الرسالة لهارون.

وإنما اعتل بما اعتل به وسأل الرسالة لأخيه ليكون شريكا له في أمره ، معينا مصدقا له في التبليغ لا فرارا عن تحمل أعباء الرسالة ، واستعفاء منها ، قال في روح المعاني: ومن الدليل على أن المعنى على ذلك لا أنه تعلل وقوع"فأرسل"بين الأوائل وبين الرابعة أعني قوله:"و لهم علي ذنب"إلخ ، فآذن بتعلقه بها ولو كان تعللا لأخر ، انتهى.

وهو حسن وأوضح منه قوله تعالى في سورة القصص في القصة:"قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون ، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون": القصص: 34.

قوله تعالى:"و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون"قال الراغب في المفردات: ، الذنب في الأصل الأخذ بذنب الشيء يقال: ذنبته أصبت ذنبه ، ويستعمل في كل فعل يستوخم عقباه اعتبارا لما يحصل من عاقبته.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت