و مما ذكرنا يظهر فساد ما فسر به بعضهم الآية مع قصر الإشارة على التعذيب إذ قال: إن معناها ثم يتوب الله تعالى بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام وهم الذين لم يحط بهم خطيئات جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب أنفسهم ، ولم يختم على نفوسهم بالإصرار على الجحود والتكذيب أو الجمود على ما ألفوا بمحض التقليد.
انتهى.
وقد عرفت أن تخصيص الآية بما ذكر والتصرف في سائر قيوده كقصر الإشارة على التعذيب وغير ذلك مما لا دليل عليه البتة.
والوجه في التعبير بالاستقبال في قوله:"ثم يتوب الله"الإشارة إلى انفتاح باب التوبة دائما ، وجريان العناية وفيضان العفو والمغفرة الإلهية مستمرا بخلاف ما يشير إليه قوله:"ثم أنزل الله سكينته"الآية ، فإن ذلك أمور محدودة غير جارية.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا"قال في المجمع ،: كل مستقذر نجس يقال: رجل نجس وامرأة نجس وقوم نجس لأنه مصدر ، وإذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل: رجس نجس - بكسر النون - قال: والعيلة الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر.
انتهى.
والنهي عن دخول المشركين المسجد الحرام بحسب المتفاهم العرفي يفيد أمر المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام ، وفي تعليله تعالى منع دخولهم المسجد بكونهم نجسا اعتبار نوع من القذارة لهم كاعتبار نوع من الطهارة والنزاهة للمسجد الحرام ، وهي كيف كانت أمر آخر وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم بالرطوبة وغير ذلك.
والمراد بقوله:"عامهم هذا"سنة تسع من الهجرة ، وهي السنة التي أذن فيها علي (عليه السلام) بالبراءة ، ومنع طواف البيت عريانا ، وحج المشركين البيت.
وقوله:"و إن خفتم عيلة"الآية ، أي وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحج ، ويتعطل أسواقكم ، وتذهب تجارتكم فتفتقروا وتعيلوا فلا تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله ، ويؤمنكم من الفقر الذي تخافونه.
وهذا وعد حسن منه تعالى فيه تطييب نفوس أهل مكة ومن كان له تجارة هناك بالموسم ، وكان حاضر العالم الإسلامي يبشرهم يومئذ بمضمون هذا الوعد فقد كان الإسلام تعلو كلمته ، وينتشر صيته حالا بعد حال ، وكانت عامة المشركين في عتبة الاستئصال بعد إيذان براءة لم يبق لهم إلا أربعة أشهر إلا شرذمة قليلة من العرب كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عاهدهم عند المسجد الحرام إلى أجل ما بعده من مهل فالجميع كانوا في معرض قبول الإسلام.
في الكافي ، عن علي بن إبراهيم عن بعض أصحابه ذكره قال: لما سم المتوكل نذر إن عوفي أن يتصدق بمال كثير فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا عليه فقال بعضهم: مائة ألف ، وقال بعضهم: عشرة آلاف فقالوا فيه أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر. فقال رجل من ندمائه يقال له صفوان: أ لا تبعث إلى هذا الأسود فتسأله عنه؟. فقال له المتوكل: من تعني ويحك؟ فقال: ابن الرضا. فقال له: وهو يحسن من هذا شيئا؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذا وكذا وإلا فاضربني مائة مقرعة فقال المتوكل: رضيت ، يا جعفر بن محمود اذهب إلى أبي الحسن علي بن محمد فاسأله عن حد المال الكثير ، فسأله فقال له: الكثير ثمانون. فقال له جعفر بن محمود: يا سيدي إنه يسألني عن العلة فيه فقال له أبو الحسن (عليه السلام) : إن الله عز وجل يقول:"لقد نصركم الله في مواطن كثيرة"فعددنا تلك المواطن فكان ثمانين: أقول: ورواه القمي أيضا في تفسيره وبعض أصحابه الذي ذكر في الرواية أنه سماه هو محمد بن عمرو على ما ذكره في التفسير.
ومعنى الرواية أن الثمانين من مصاديق الكثير بدلالة من الكتاب لا أن الكثير معناه الثمانون وهو ظاهر.