ففيه أن هذه المحامد مقيدة فيها بقيود لا يتحتم معها لهم الأمر فإن الآيات إنما تحمد من تحمده منهم لما به من نعوت العبودية كالإيمان والإخلاص والصدق والنصيحة والمجاهدة الدينية فالحمد باق ما بقيت الصفات ، والوعد الحسن على اعتباره ما لبثت فيهم النعوت والأحوال الموجبة له فإذا زالت لحادثة أو خطيئة زال بتبعه.
وليس ما عندهم من مبادىء الخير والبركات بأعظم ولا أهم مما عند الأنبياء من صفة العصمة يستحيل معها صدور الذنب منهم ، وقد قال الله تعالى بعد ثناء طويل عليهم:"و لو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون:"الأنعام: - 88 وقد قال تعالى قبال ما ظنوا أنهم مصونون عن ما يكرهونه من أقسام المجازاة كرامة لإسلامهم كما ظن نظيره أهل الكتاب:"ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به:"النساء: - 123.
والذي ورد في بيعة الرضوان من قوله:"لقد رضي الله"فإنما رضاه تعالى من صفاته الفعلية التي هي عين أفعاله الخارجية منتزعة منها فهو عين ما أفاض عليهم من الحالات الطاهرة النفسية التي تستعقب بطباعها جزيل الجزاء وخير الثواب إن بقيت أعمالهم على ما هي عليها وإن تغيرت تغير الرضى سخطا والنعمة نقمة ولم يأخذ أحد عليه تعالى عهدا أن لا يخلف عهده فيحمله على السعادة والكرامة أحسن أو أساء ، أطاع أو عصى ، آمن أو كفر.
وليس رضى الرب من صفاته الذاتية التي يتصف بها في ذاته فلا يعرضه تغير أو تبدل ولا يطرأ عليه زوال أو دثور.
قوله تعالى:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"إلى آخر الآية السكينة - كما تقدم - حالة قلبية توجب سكون النفس وثبات القلب ملازمة لازدياد الإيمان مع الإيمان ولكلمة التقوى التي تهدي إلى الورع عن محارم الله على ما تفسرها الآيات.
وهي غير العدالة التي هي ملكة نفسانية تردع عن ركوب الكبائر والإصرار على الصغائر فإن السكينة تردع عن الصغائر والكبائر جميعا.
وقد نسب الله السكينة في كتابه إلى نفسه نسبة تشعر بنوع من الاختصاص كما نسب الروح إلى نفسه دون العدالة ووصفها بالإنزال فلها اختصاص عندي به تعالى بل ربما يشعر بعض الآيات بأنه عدها من جنوده كقوله تعالى:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض:"الفتح: - 4.
وفي غير واحد من الآيات المشتملة على ذكر السكينة ذكر الجنود كقوله:"فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها:"التوبة: - 40 ، وكما في الآية المبحوث عنها:"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها".
والذي يفهم من السياق أن هذه الجنود هي الملائكة النازلة إلى المعركة ، أو أن يقال من جملتها الملائكة النازلة والذي ينتسب إلى السكينة والملائكة أن يعذب بهم الكفار ويسدد ويسعد بهم المؤمنون كما اشتملت عليه آيات آل عمران القاصة قصة أحد ، وآيات في أول سورة الفتح فراجعها حتى يتبين لك حقيقة الحال إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم في قوله تعالى:"فيه سكينة من ربكم:"البقرة: - 248 في الجزء الثاني من الكتاب بعض ما يتعلق بالسكينة الإلهية من الكلام مما لا يخلو من نفع في هذا المقام.
قوله تعالى:"ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم"قد تقدم مرارا أن التوبة من الله سبحانه هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق أولا ثم بالعفو والمغفرة ثانيا ، ومن العبد الرجوع إلى ربه بالندامة والاستغفار ، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه.
والإشارة في قوله:"من بعد ذلك"على ما يعطيه السياق إلى ما ذكره في الآيتين السابقتين من خطيئتهم بالركون إلى غير الله سبحانه ومعصيتهم بالفرار والتولي ثم إنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب الذين كفروا.
والملائم لذلك أن يكون الموصول في"من يشاء"شاملا للمسلمين والكافرين جميعا فقد ذكر من الفريقين جميعا ما يصلح لأن يتوب الله عليهم فيه إن تابوا وهو من الكفار كفرهم ومن المسلمين خطيئتهم ومعصيتهم ، ولا وجه لتخصيص التوبة على بعضهم مع ما في آيات التوبة من عموم الحكم وسعته ولم يقيد في هذه الآية المبحوث عنها بما يوجب اختصاصها بأحد الفريقين: المسلمين أو الكافرين مع وجود المقتضي فيهما جميعا.