فهرس الكتاب

الصفحة 1892 من 4314

الذي يستفاد من آيات السكينة أن نزولها متوقف على طهارة قلبية وصفاء نفسي سابق حتى يقرها الله تعالى بالسكينة ، وهؤلاء كانوا مقترفين لكبيرة الفرار من الزحف آثمين قلوبا ، ولا محل لنزول السكينة على من هذا شأنه فإن كانوا ممن نزلت عليهم السكينة كان من الواجب أن يندموا على ما فعلوا ، ويتوبوا إلى ربهم توبة نصوحا بقلوب صادقة حتى يعلم الله ما في قلوبهم فينزل السكينة عليهم فيكونون أذنبوا أولا ثم تابوا ورجعوا ثانيا ، فأنزل الله سكينته عليهم ونصرهم على عدوهم ، ولعل هذا هو الذي يشير إليه التراخي المفهوم من قوله تعالى"ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"حيث عبر بثم"."

لكن يبقى عليه أولا: أنه كان من اللازم على هذا أن يتعرض في الكلام لتوبتهم فيختص حينئذ قوله:"ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم"على الكفار الذين أسلموا بعد منهم ، ولا أثر من ذلك في الكلام ولا قرينة تخص قوله:"ثم يتوب الله"إلخ بالكافرين الذين أسلموا بعد ، فافهم ذلك.

وثانيا: أن في ذلك غمضا عن جميل المسعى والمحنة الحسنة التي امتحن بها أولئك النفر القليل الذين ثبتوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين تركه جموع المسلمين بين الأعداء وانهزموا فارين لا يلوون على شيء ، ومن المستبعد من دأب القرآن أن يهمل أمر من تحمل محنة في ذات الله ، وألقى نفسه في أشق المهالك ابتغاء مرضاته - وهو شاكر عليم - فلا يحمده ولا يشكر سعيه.

والمعهود من دأب القرآن أنه إذا عم قوما بعتاب أو توبيخ وذم ، وفيهم من هو بريء من استحقاق اللوم أو العتاب أو طاهر من دنس الإثم والخطيئة أن يستثنيه منهم ويخصه بجميل الذكر ، ويحمده على عمله وإحسانه كما نراه كثيرا في الخطابات التي تعمم اليهود أو النصارى عتابا أو ذما وتوبيخا فإنه تعالى يخاطبهم بما يخاطب ويوبخهم وينسب إليهم الكفر بآياته والتخلف عن أوامره ونواهيه ، ثم يمدح منهم الأقلين الذين آمنوا به وبآياته وأطاعوه فيما أراد منهم.

وأوضح من ذلك ما يتعرض من الآيات لوقعة أحد ، وتمتن على المؤمنين بما أنزل الله عليهم من النصرة والكرامة ، ويعاتبهم على ما أظهروه من الوهن والفشل ثم يستثني الثابتين منهم على أقدام الصدق ، ويعدهم وعدا حسنا إذ قال مرة بعد مرة:"و سيجزي الله الشاكرين:"آل عمران: - 144 ،"و سنجزي الشاكرين:"آل عمران: - 145.

ونجد مثله في ما يذكره الله سبحانه من أمر وقعة الأحزاب فإن في كلامه عتابا شديدا لجمع من المؤمنين ، وتوبيخا وذما للمنافقين والذين في قلوبهم مرض حتى قال فيما قال:"و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا": الأحزاب: - 15 ، ثم إنه تعالى ختم القصة بمثل قوله:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا:"الأحزاب: - 23.

فما باله تعالى لم يتعرض لحالهم في قصة حنين ، وليست بأهون من غيرها ، ولا خصهم بشيء من الشكر ، ولا حمدهم بما يمتنون به من لطيف حمده تعالى كغيرهم في غيرها.

فهذا الذي ذكرناه مما يقرب إلى الاعتبار أن يكون المراد بالمؤمنين الذين ذكر نزول السكينة عليهم هم الذين ثبتوا مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأما سائر المؤمنين ممن رجع بعد الانكشاف فهم تحت شمول قوله:"ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم"يشمل من شملته العناية منهم كما يشمل من شملته العناية والتوفيق من كفار هوازن وثقيف ومن الطلقاء والذين في قلوبهم مرض.

هذا ما يهدي إليه البحث التفسيري ، وأما الروايات فلها شأنها وسيأتي طرف منها.

وأما ما ذكره من شهادة رجوعهم من فورهم حين سمعوا نداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونداء العباس فذلك مما لا يبطل ما قدمناه من ظهور قوله تعالى:"ثم وليتم مدبرين"إذا انضم إلى قوله:"إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار"الآية في أن ما ظهر منهم في الوقعة من الفعل كان فرارا من الزحف فعلوه عن جبن أو تعمد في خذلان أو عن قلق واضطراب وتزلزل.

وأما ما ذكره من الآيات التي تمدحهم وتذكر رضى الرب عنهم واستحقاقهم جزيل الأجر من ربهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت